تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٥٢
نهض الحمار مليئا بالحياة، فوضعت عليه متاعها، و استمرّت في طريقها و لحقت بالقافلة.
و يقال: إنها كانت في طريقها إلى الكعبة ذات يوم، فبقيت وحدها في الصحراء، و قالت: إلهي، إن قلبي مضطرب وسط هذه الدهشة، أنا لبنة و الكعبة حجر، و ما أريده هو أن أشاهد وجهك. فناداها حينئذ صوت من عند اللّه تعالى يقول: يا رابعة، أتعملين وحدك ما يقتضى ذمّ الدنيا كلها؟ لما أراد موسى أن يشاهد وجهنا، لم نلق إلّا ذرة من نورنا على جبل، فخرّ صعقا.
و يروى مرة أخرى: أنه لما كانت رابعة بسبيل الحجّ، رأت الكعبة قادمة نحوها عبر الصحراء. فقالت رابعة: لا أريد الكعبة، بل ربّ الكعبة، أمّا الكعبة فماذا أفعل بها؟ و لم تشأ أن تنظر إليها.
و كان إبراهيم بن أدهم قد أمضى أربعين سنة ليبلغ الكعبة، لأنّه كان في كلّ خطوة يصلّى ركعتين، و كان يقول: غيري يسلك هذه الطريق على قدميه، أمّا أنا فأسلكها على رأسي. و بعد أربعين سنة بلغها، فلم يجدها في مكانها، فقال نائحا: وا أسفاه، أصرت أعمى حتى لا أرى الكعبة؟ فسمع صوتا يقول:
يا إبراهيم، لست أعمى، لكنّ الكعبة قد ذهبت للقاء رابعة. فتأثّر إبراهيم، ثم رأى الكعبة قد عادت إلى مكانها، و أبصر رابعة تتقدّم مستندة إلى عصا: أي رابعة- هكذا قال لها- ما أجلّ عملك! و ما الضجة التي تحدثينها في الدنيا! الكلّ يقولون: ذهبت الكعبة للقاء رابعة. فأجابته رابعة: يا إبراهيم، و أيّة ضجّة تحدثها أنت في الدنيا بأن أمضيت أربعين سنة حتى بلغت هذا المكان، لأنّ الكلّ يقولون: إبراهيم يتوقّف كلّ خطوة ليصلّى ركعتين. فقال إبراهيم: نعم، قد أمضيت أربعين سنة في اختراق هذه الصحراء. فأجابت رابعة: يا إبراهيم، أنت جئت بالصلاة، و أنا جئت بالفقر. و بكت طويلا، و بعد أن زارت الكعبة عادت إلى البصرة.
و في وثبة من قلبها صاحت: إلهي، وعدت بجزاءين لشيئين: القيام