تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٤٣
فقلت للشيخ أبي الفضل: أتمنّى أن أسمع من فمك تفسير قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، فقال: انتظر حتى سدول الظلام، فالليل ستّار السرّ.
و حين جنّ عليهم الليل، قال: كن قارئا لأكون مذكّرا. قال: فتلوت قوله تعالى يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ، ففسّرها سبع مئة تفسير لم يكن فيها تكرار، و لم يشبه أحدها الآخر إلى أن طلع الصبح، فقال: ذهب الليل، و نحن لم نتكلّم بعد عن الحزن و السرور، و لم ينته حديثنا. فسألته: ما هو السرّ؟ فقال: أنت. قلت: و ما سرّ السرّ؟ قال: أنت أيضا.
روي أنّه قيل للشيخ: إنّ المطر لا يهطل، فادع لكي يهطل. و في تلك الليلة أمطرت السماء بردا كبارا، فسئل في اليوم التالي: ماذا فعلت؟ فأجاب: أكلت عويثة[١]. أي أنني قطب، و حين أبرد يبرد العالم الذي يدور حولي.
و روي أنّه طلب إليه: ادع لهذا السلطان؛ لعلّه يصبح أفضل لتزول المظالم.
فأطرق هنيهة و قال: دعكم من هذا، فأنتم ترونه الآن بينكم، و تتذكّرون الماضي، و تتحدّثون عن المستقبل، فكونوا أهل زمانكم.
و قال: حقيقة العبودية أمران: حسن الافتقار إلى اللّه، و هو من أصول العبودية، و حسن الاقتداء برسول اللّه، و هو أن تكون النفس فيه لا راحة لها.
و روي أنّه لما دنت وفاته قيل له: أندفنك في المقبرة الفلانية؛ فهي مقبرة المشايخ و العظام؟ فقال: اللّه اللّه، و من أكون لتدفنوني إلى جوار قوم كهؤلاء! ادفنوني فوق ذلك التلّ حيث دفن المقامرون و الفسّاق، فهم إلى رحمة اللّه أقرب، و أغلب الماء يعطى للعطاشى. فرحمة اللّه عليه.
[١] -في لسان العرب( عوث): العويثة: قرص يعالج من البقلة الحمقاء بزيت( المترجم).