تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٣٠
سنة، ثم عاد إلى بغداد، و ذهب إلى الجنيد مع جماعة من المتصوفة، و طرح عليه مسائل، فلم يجب عليها، و قال: لقد استعجلت بجعل رأس الخشبة أحمر. فقال: إنّني في اليوم الذي سأجعل فيه أعلى الخشبة أحمر ستلبس أنت فيه لباس أهل الظاهر.
و عند ما أصدر الأئمة يوما فتوى بوجوب قتله، كان الجنيد في لباس التصوف، و لم يكن ممّن يكتب الفتاوى، و كان الخليفة قد قال بضرورة وجود توقيع الجنيد. فلبس الجنيد عمامته و درّاعته، و ذهب إلى المدرسة، و كتب جواب الفتوى: نحن نحكم بالظاهر. أي أنّه بحسب الظاهر يستحقّ القتل، و الفتوى على الظاهر، أمّا الباطن فيعلمه اللّه.
و لمّا لم يجد الحسين من الجنيد جوابا للمسائل غادر و استتر من غير إذن، و مكث هناك سنة، حظي فيها بقبول عدد كبير، و لم يقم وزنا لكلام أيّ من أهل عصره إلى الحدّ الذي حسدوه، و كتب عمرو بن عثمان في أمره رسائل إلى خوزستان، و قبّح أحواله في أعين أهل تلك الديار، و جعلهم يتحاملون عليه، فخلع لباس المتصوفة، و لبس القباء[١]، و انهمك بمصاحبة أبناء الدنيا؛ لكنّ ذلك لم يغيّر منه شيئا.
ثم إنّه اختفى لخمس سنوات، قضى شطرا منها في خراسان و ما وراء النهر، و الشطر الآخر في سجستان، ثم عاد إلى الأهواز، و تحدّث إلى أهلها، و حظي بقبول الخاصّ و العام، و كان يتحدّث عن أسرار الخلق، حتى سمّي بحلّاج الأسرار.
ثم لبس المرقعة، و حزم أمره، و كان معه في تلك الرحلة كثير ممّن يلبسون الخرقة. و لمّا وصل إلى مكة نسبه يعقوب النهرجوري إلى السحر، و من هناك عاد إلى البصرة، و منها إلى الأهواز، ثم ارتأى أن يذهب إلى بلاد الشرك ليدعو الخلق إلى اللّه، فذهب إلى الهند، ثم إلى ما وراء النهر، و بعدها انتقل إلى
[١] -القباء: من الثياب، سمي به لاجتماع أطرافه، يمدّ و يقصر و يذكّر، قيل إنه عربي، و قيل إنه فارسي، و هو في الغالب من ملابس العجم. متن اللغة( قبي).