تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨١٠
قالوا للشيخ: ما هذا السكوت؟ فقال: سبحان اللّه، إنهم استغرقوا في الباطل إلى حدّ ليس لهم عنكم خبر، و لا يبالون بكم، فلم لا تستغرقون أنتم في الحقّ حتى لا تسمعوا أباطيلهم؟ ثم اشتغل بنهي المنكر[١].
أقول: هذا يدلّ على أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إنّما يجب على من يخالط الناس و يعاشرهم، و يطّلع على بعض أفعالهم، و هذا لا يمكن إلّا لمن يكون في مقام الصحو، و أمّا من يكون مستغرقا في بحر المحبّة سكران من شراب المودّة، أو مضمحلّا عند إشراق نور الجمال و بروق الجلال، فلا تبقى له مخالطة مع الناس، و لا معاشرة معهم، فمن أين له الاشتغال بالأمر و النهي، بل ليس له نظر إلى ما سوى المحبوب، أو ليس له النظر أيضا، و أمّا مقام النبوّة، فلمّا كان مقام النبوّة لتكميل الناقصين المستعدّين لقبول الفيض المكمّل لهم، و لذا صار النبيّ ٧ كاملا في نفسه، مكمّلا لغيره، و كان له جهتان: جهة التجرّد للاستفاضة من المبدأ الفياض، و جهة التعلّق لإفاضة بعض ما أفيض عليه على ما دونه بقدر قابلياتهم، فلو كان النبيّ عليه الصلاة و السلام دائم الاستغراق، مستمرّ السّكر لتعطّل المقصود من إرساله، و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ النبوة أشرف من الولاية، لأنّ النبيّ عليه الصلاة السلام ينبغي أن يكون كاملا في نفسه، مكمّلا لغيره، و أمّا الوليّ غير النبيّ، فيجب أن يكون واصلا إلى ما قدّر له من مراتب الكمال، و لكن لا يلزم تكميل الغير، و لذا نهاية الولاية بداية النبوة[٢]. [و اللّه أعلم].
نقل أن أبا طاهر ابن الشيخ رحمهما اللّه تعالى لم يكن له هوس إلى الكتّاب في زمان الصّبا، فقال له الشيخ في بعض الأيام: من يخبرني بقدوم الأضياف المسافرين فله عليّ ما يريد. فكان أبو طاهر يوما على السطح، إذ رأى جماعة من المسافرين قادمين، فأتى الشيخ، و أخبره بقدومهم، فقال الشيخ: ما تريد؟
قال أبو طاهر: إرادتي أن لا أمشي إلى الكتّاب غدا. قال الشيخ: لا تمشي.
[١] -أسرار التوحيد ٢٤٨.
[٢] -انظر الحاشية-صفحة ٨.