تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٠٣
و أنواع، و أصناف و أشخاص، فيتحرّك من جهة الفكر من جنس إلى آخر، و كذلك من صنف إلى آخر. قال أبو علي بن سينا[١]:
|
هبطت إليك من المحلّ الأرفع |
و رقاء ذات تعزّز و تمنّع |
|
و هذه الحركة الفكرية مخصوصة بالإنسان، لا توجد في غيره من الملائكة و الجنّ، و لهذا تتفاوت مراتبهم بتفاوت أفكارهم، و لهم ترقيات بحسبها، بخلاف الملائكة و الجنّ، إذ لا ترقّي لهما؛ بل هما على حالة واحدة، من أول عمرهما إلى آخره على ما قيل. [و اللّه أعلم].
و قال: ليس في هذا الطريق التفات إلى العاقبة و السلامة، و الخلق و الرفيق و الصديق، و الجنّة و النار، و القريب و الأهل و العيال؛ بل إلى النفس، و لا يجوز أن يكون التوجّه إلّا إلى اللّه تعالى.
و قال: لا يوجد الحقّ في العمران.
أقول: كأنه قصد معنى قول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، عن اللّه تعالى أنه قال جلّ من قائل:
«أنا عند المنكسرة قلوبهم»[٢] الذين انكسرت قلوبهم تقطّعا عن اللذّات النفسانية، و منعها عن الشهوات الزائلة، و الحظوظ الفانية، و تصفيتها عن الكدورات الجسمانية، فتجدها خالية عمّا سوى اللّه تعالى بأسرها كالديار البلاقع، و المواضع الخربة التي لا عمّال فيها، فلا يسكنها قاطن، و لا يقيم بها متوطّن، و لأنّ السلطان جلال اللّه و جماله، إذا أراد أن يتجلّى على قلب العارف العبد، يغسل ما فيه من الأغيار، و لا يترك فيه شيئا من الغبار، قال اللّه تعالى:
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها [النمل: ٣٤] فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً [طه: ١٠٦- ١٠٧] و لا يبقى له التفات إلى أين و متى، ثم يتجلّى له على مبلغ حاله، و قدر قابليّته، و صفاء طويّته. رزقنا اللّه تعالى الترقّي إلى هذه
[١] -انظر وفيات الأعيان ٢/ ١٦٠.
[٢] -تقدم تخريجه صفحة ٢٠٤ الحاشية( ٤).