تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٨٠
و الآخرة. فقال: كيف يكون ذلك؟ قال: ازهد في الدنيا، فإذا زهدت فيها ترى نفسك غنية عن الخلق، و تراهم يحتاجون إليك، و هذا هي السلطنة في الدنيا، و إذ حصلت لك هذه السلطنة في الدنيا ترجو أن تصير سببا لحصول السلطنة في الآخرة.
و قال لمالك [بن دينار] رحمه اللّه: حفظ اللّسان أصعب على الناس من حفظ الدرهم و الدينار.
و قيل: دخل على قتيبة بن مسلم[١] و عليه جبّة صوف، قال له قتيبة: لم لبست الصوف؟ فسكت و ما تكلّم، ثم سأله ثانيا، فلم ينطق، قال: لم لا تتكلّم؟ قال: و ما أقول؟ فإنّي و إن تكلّمت في ذلك يكون كلامي إمّا ثناء على زهدي، و إمّا شكاية من اللّه تعالى على الفقر
و رأى ابنا له في بعض الأيام يمشي و يتبختر في مشيه، فدعاه إليه، و قال:
هل تعرف من أنت؟ اشتريت أمّك بمئتي درهم، و أبوك من ليس بين الناس أحد أذلّ و أنقص منه، فهذا التبختر من أين لك؟
قيل له: كيف أنت؟ قال: كيف يكون من ينتقص عمره، و تزداد ذنوبه.
و كان في المعرفة راسخا.
و من كلامه أنه قال: ما رأيت شيئا إلّا و رأيت اللّه فيه[٢].
و قيل له: تعرف اللّه؟ فسكت ساعة، و أطرق رأسه، ثم رفع رأسه، و قال:
من عرفه عزّ و جل قلّ كلامه، و كثر تحيّره.
و قال: من عرف اللّه تعالى و عزّت به معرفته حقّ عليه أن لا ينظر إلى غيره، و لا يختار عليه شيئا، و اللّه أعلم.
[١] -هو قتيبة بن مسلم الباهلي، أبو حفص( ٤٩- ٩٦ ه) أمير فاتح، من مفاخر العرب.
[٢] -في هامش( أ) جاء ما نصّه: نعوذ باللّه من هذا الكلام المخالف لقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ... الآية[ الأنعام: ١٠٣].
أقول: و الكلام قد بني على حذف، أي: و رأيت صنع- أو قدرة- اللّه فيه.