تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٩٤
الخادم، فأنزلهما في منزل و يكرمهما و يطعمهما إلى أن أرادا الرجوع، فأشار الشيخ إلى أن هيّئوا لهما أسباب السفر، و زوّدوهما، و هو خرج معهما للتوديع، ثم حين الفراق قال لهما خفية: أنا أنغبن فيكما لأجل الخبز و الملح، ثم أنتم تعلمون. و الحال أنّهما كانا كافرين، فأسلما في الساعة، و رجعا مع الشيخ، و صارا تلميذين له.
نقل أنّ أبا سعيد رحمه اللّه بعد العبادة كان يقول: اللّهمّ، خلّص أبا سعيد عن أبي سعيد.
أقول: معناه أنّه يريد و يسأل من اللّه عزّ سلطانه أن يجعله غريقا في بحر التوحيد، فانيا في بقائه، بحيث لا يبقى له أثر، و لا يسمع له خبر، و هذا نهاية درجات الصدّيقين و الأولياء، و غاية مراتب الأصفياء، لأنّهم لا يجتهدون و لا يجاهدون إلّا للوصول إلى هذا المقام، و البلوغ إلى هذا المرام، إذ ليس وراء عبّادان قرية[١]، و أمّا هذا المقام فلا نهاية له، و لا أمد، لأنّ التوحيد لا نهاية له، و لا يلزم له التحديد و التناهي، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
[و اللّه أعلم].
نقل عنه أنّه قال: المعرفة أن يصل العبد إلى مقام، و يتّصف بصفة لا يحجبه شيء عن الحقّ حتى إذا تأمّل في باطن الأشياء يراها فانية، و إذا تأمّل في صفات فعله سنين لا يهتدي إلى صفات ذاته كالرماد، فإنّه من صفات فعل النار، و لا يهتدي من لا يعرف النار- من عرف الرماد- إلى معرفة صفات النار من الإحراق و الإضاءة و غيرهما، و لذا قالوا: لا يعرف اللّه تعالى إلّا به. يعني إذا جاءتك المعرفة منه تعالى فإنّك تعرفه حينئذ، باقيا بلا كيف في صفاته، لأنّ المعرفة تنعدم عند تخيل الكيف.
[١] -عبادان: موضع تحت البصرة، قرب البحر الملح، و قد ذكر المثل في مجمع الأمثال ٢/ ٢٥٧.