تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٨٧
و لم يترقّوا، و ذلك لأنّه منعهم عن القيام له تواضعا منه، و الذين قاموا له تواضعوا له، و الذين لم يقوموا لم يتواضعوا، فظهر الفرق.
نقل أنّ الشيخ رحمه اللّه كان راكبا على فرس على جواد، و عليه ثياب فاخرة، فجاء إليه فقير ينظر إلى فرسه و أثوابه، و تعجّب من حشمته، فاطّلع عليه الشيخ بنور الولاية- أي بإلهام اللّه تعالى- فنزل من الفرس، و خلع الثياب، و كساها ذلك الفقير، و أركبه على الفرس، و رمى الغاشية على كتفه، و مشى في ركاب الفقير، فخجل الفقير عمّا فعله، و رمى نفسه عن الفرس، فقال الشيخ:
اعلم أن المشي و الركوب عندي سواء، و لذا يسلم لي الرّكوب على الفرس، غير تفاوت بينه و بين غيره من المراكب و بين المشي.
أقول: قد لوّح الشيخ رحمه اللّه في هذا الكلام إلى أنّ العارف إذا وصل إلى مقام التمكّن بحيث لا يغترّ بزينة الدنيا و زخارفها، و هي لا تصير حجابا بينه و بين اللّه، و ذلك لرسوخه في المعرفة و المحبّة و التوجّه إليه تعالى، فلا حرج عليه حينئذ، إذا كان له من الدنيا شيء، إذ الدنيا كلّها و الآخرة أيضا بنعيمها لا تحجبه عن اللّه، و أمّا من لم يكن راسخا متمكّنا؛ بل هو معتمد بعد، و لم يبلغ المرتبة المذكورة، فأدنى شيء ممّا سوى المقصود الأصليّ يصير حجابا، و كلّما يكثر الالتفات إلى الدنيا و زخارفها يشتدّ التعلّق بكثف الحجاب، و لذا يحتاج السالك في تلطيف الحجاب و رفعه إلى مجاهدة كثيرة، و رياضة راضية، و أمّا الذين تركوا الدنيا رأسا أولا و آخرا، و أعرضوا عنها، فلعدم الأمن من شرورها، و الشيخ أبو سعيد رحمه اللّه له طور خاصّ بين المشايين المشايخ، مع اتفاق المعتقد و المنكر على ولايته و كراماته و مجاهداته و عباراته حتى لم يكن له نظير من الأولياء في المجاهدة إلّا نادرا، و إنه رحمه اللّه لم يدّخر شيئا للغد، و لم يملك ملكا و لا عقارا؛ بل كان تاركا، جالسا على باب التوكّل، و اللّه تبارك و تعالى قد أفاض عليه إحسانه، و أسبغ عليه نعمه ظاهرة و باطنة، و ذلك لم يكن قادحا في ولايته، و لا مفسدا لمقام توكّله. [و اللّه أعلم].
نقل أنّه لمّا اشتهرت أحواله بين الناس، و انتشر صيته في الأطراف، أرسل