تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٨١
باقيا في طيّ السّفرة، فأطعمته كلبا، ثم طاب خاطر الشيخ، و نام بعض الليل، نوّر اللّه مرقده[١].
نقل أنّه لما كثرت تلاميذه، و اعتقده الناس، اتّفق أهل نيسابور: من القاضي، و كان خطيبا أيضا، و من مقدّم المدينة، و سائر الرؤساء و أصحاب الجاه[٢]، و كتبوا رسالة إلى سلطان محمود، و أدرجوا فيها أنّه قد جاء إلى نيسابور رجل يصعد المنبر، و يعظ الناس، و ينشد الأبيات على المنبر، و جماعة من الشبان اجتمعوا عليه، فيستمعون و يرقصون، و يأكلون لحم الطير و سائر الأطعمة، و يشعلون الشموع و العود، و يدّعون أنّهم زهاد، و افتتنت الناس و العوام فيهم، و أرسلوا الرسالة إلى السّلطان، و هو ردّ عليهم الجواب، و أمرهم بالتفحّص و البحث عن حاله، و الحكم فيه على مقتضى الشرع، و وصل إلى المنكرين توقيع السلطان يوم الخميس، فاتّفقوا على أنّهم غدا بعد صلاة الجمعة يجتمعون و يحكمون فيهم ما يقتضي الشرع، و انتشر الخبر في المدينة، فتحزّنت الصوفية، و ما كانوا يجترئون ليخبروا الشيخ بصورة الحال، و هو رحمه اللّه كان خبيرا بما جرى، فسأل عن الخادم بعد العصر، و قال: كم الصّوفية الملازمون لصحبتنا؟ قال الخادم: هم مئة و عشرون، و المسافرون هم ثمانون. فأمره أن يهيّئ لهم طعاما للغداء بحيث يكون لكلّ واحد رأس مطبوخ ملطّخ بالمسك، و لكلّ واحد رطل من الحلواء بالسّكّر، و ماء الورد برطل الخليفة، و يكون عود في المجامر، و ماء الورد في القماقم، ثم يقدّم إليهم في الجامع حتى يراه المنكرون بأبصارهم، و يعلمون أنّ اللّه تعالى كيف أعزّ عباده، و أطعمهم و سقاهم مع فقرهم و فاقتهم.
قال الخادم: دخلت المطبخ، فوجدت فيه رطلا من الخبز، و ما كنت أعرف
[١] -أسرار التوحيد ١٢٧، و انظر صفحة ١٢٠ منه أيضا.
[٢] -في أسرار التوحيد ٨٩: و كان زعيم الكرامية في نيسابور الأستاذ أبو إسحاق الكرّامي، و رئيس أصحاب الرأي و الرافضة القاضي صاعد، و كان لهما أتباع كثيرون، و كانا ينكران الشيخ إنكارا شديدا، و قد اجتمع هؤلاء و كتبوا عريضة شهد عليها أصحاب الرأي.