تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٧٤
الأصحاب قطف عناقيد و لفّها في خريقة له، إرادة أن يذهب بها إلى بيته، و لبسها هناك، ثم لمّا اطّلع الشيخ من البستان اعتذر إلى الفقير، و قال: أعطاك الخير و البركة. قال الفقير: يا شيخ، كيف يعطي البركة و لم يبق من العنب شيء؟! قال الشيخ: نعم، بقي شيء يكفيك. فرجع الفقير إلى الكرم، و دار فيه، فلم يجد شيئا، فحزن و لم يرجع إلى الكرم إلّا في الربيع، لأنّه ذهب إليه للعمارة و الإصلاح، فصادف الحديقة و فيها العناقيد ما تغيّرت قطّ، كأنّها قطفت ذلك اليوم، و هي طريّة لطيفة عليها الغبار الذي يكون على العنب، فأخذها و أهداها السلطان، فأعجبته، و ملأ الطبق من الدراهم و الدنانير، و ردّها على الفقير، ففرح و علم أنّه ما كان إلّا ببركة دعاء الشيخ و كراماته، فأخذها، و جاء إلى الشيخ بعشرة دنانير، و اعتذر إليه.
نقل أنه كان في زمان الشيخ أبي سعيد رجل مرتاض، كثير الرياضة و الخلوة، و كان منكرا للشيخ و حالاته، و ما كان يؤكل في مجلسه من أنواع الأطعمة اللذيذة الشهية، فجاء إلى الشيخ، و قال: أريد أن أختلي معك أربعين يوما و ليلة- كما هو المتعارف بينهم- فقال الشيخ رحمه اللّه: يكون مباركا.
و ذلك الرجل كان يأكل قليلا على عادة أصحاب الأربعين، و الشيخ ما أكل في تلك الأيام، و لا ذاق قطّ، و الخادم كان يقدّم الأطعمة في اليوم و الليلة إلى الفقراء، و الرجل ينظر إليها، و الشيخ فارغ [البال] منها، و كان رحمه اللّه يسمع من غير ضعف في أعضائه، و الرجل صار ضعيفا جدا، و الشيخ كان يسمن، فندم الرجل، و لا ينفعه الندم، و لمّا تمّت مدة أربعين، قال الشيخ رحمه اللّه:
هذه الأربعون كانت على وفق اختيارك و رضائك، و لكن أرجو منك أن تقعد معي أربعين يوما أخرى على ما أختاره. قال الرجل: كيف هذا؟ قال الشيخ رحمه اللّه: تأكل كلّ يوم طعاما كثيرا، و لا تدخل المبرز قطّ إلى تمام المدة.
فقبل الرجل، و الشيخ كان يأكل أنواعا من الأطعمة، و ما كان يحتاج إلى الدخول في المبرز، و الرجل في اليوم الأول احتاج، حتى انفتل على نفسه، و ما أطاق، فأذن له الشيخ ليدخل المبرز، و هو على تلك الحالة استمرّ إلى تمام