تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٧٠
و وصّاهم أن يرسلوهما إليه، فجاء جماعة من خدم القاضي بالخروفين المشويين قاصدين لصحبة الشيخ و القاضي، إذ استقبلهم جماعة من الأتراك الأجلاف، و أخذوا منهم الخروفين بالقوة، و قطعوا و أكلوا، و الحال أنّ المأخوذ لم يكن إلّا الحرام منهما، و أوصلوا الآخر إلى مجلس الشيخ، و وضعوه بين يديه، و نظر القاضي، فإذا هو الحلال لأنّه قد أعلمهما ليعرف الحلال من الحرام، فنظر في الخدم نظر الغضبان، فقال الشيخ: يا قاضي، لا تشوّش بالك، فإنّ الكلاب قد أكلوا الجيفة، و الحلال بقي لمن لا يأكل إلّا الحلال[١].
و نقل أنّ بعض الأيام غار اللحم في الخانقاه الشيخ حتى أنّهم ما أكلوا اللحم مذ شهر، إذ لم يكن لهم ثمن اللحم في تلك المدة، فاتّفق أن جاء لزيارة الشيخ فتى من أصحاب الثروة، فقال له الشيخ أن يعطي دينارا للخدّام أن يذهب إلى الموضع الفلاني، و السوق الفلاني، و يشتري لحم الضأن الذي ذبحه القصّاب الفلاني، و يفرّقه على الكلاب، فذهب الخادم، و امتثل أمر الشيخ، و رجع، قال الخادم: و لكن أنكرت في نفسي على الشيخ؛ لأنّ الجماعة ما أكلوا اللحم في شهر أو أكثر، و اللحم اللطيف الضائن يطعمه للكلاب! و القصّاب لما رأى هذا الحال جاء إلى الشيخ يتضرّع و يبكي، ثم تاب على يده و رجع، قال الخادم:
قلت للشيخ: بيّن لي هذا السرّ الغريب، إذ لم يبق إليّ اصطبار. قال الشيخ:
هذا القصاب يربّي و يداري هذا الضأن من أربعة أشهر، و يسمّنه، فاتفق أن جاءت البارحة [جائحة أماتت الضأن] و كان سمينا[٢]، فلم يوافقه قلبه في أن يرميه في المزابل، و أنا ما جوّزت أن يأكله المسلمون، فسمع الفتى هذا الكلام، و ذهب إلى السوق، و اشترى لي غنما آخر، و جاء بها إلى الشيخ، و شكر اللّه تعالى[٣].
[١] -أسرار التوحيد ١٢٦.
[٢] -كذا الأصل، و ما بين معقوفين للتوضيح.
[٣] -أسرار التوحيد ١٣٣، ١٣٤.