تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٥٩
يوافقك في جفائي و إيذائي؟ قال الشيخ: إنّك كنت منقطعا عن الخلق و الأصحاب كلّهم، و بقيت معتمدا عليّ، و أنا قدرت لك حجابا بينك و بين الخلق، و ما كان بقي لك حجاب سوى أبي سعيد، فلا جرم أنّي فعلت معك ما فعلت ليرتفع هذا الحجاب أيضا، و الحال أنه ارتفع، و وصلت إلى المقصود، و نحن جئنا إليك نهنيك، بارك اللّه لك في وصلك إلى مقصودك، و جعله لك مباركا، فقم معنا، رزقنا اللّه عيشة السعداء.
نقل عن الحسن المؤدب[١] الذي هو من خواصّ خدّام الشيخ أبي سعيد رحمه اللّه أنه قال: كنت بنيسابور تاجرا، فسمعت صيت الشيخ، فذهبت إليه، فلمّا رفع عليّ نظره قال: تعال تعال، فإنّ لي معك أشغالا. و الحال أنّي لم أعرف مقصوده، و لا فهمت قصده، و كنت منكرا للصوفية، ثم إن الشيخ رحمه اللّه في آخر الصحبة طلب لفقير ثوبا، فوقع في خاطري أن أعطيه عمامتي، ثم قلت في نفسي: إنّها أهديت إلى من مدينة آمل، و قيمتها عشرة دنانير، فلأجل هذا أمسكت، ثم نوبة أخرى حدّث الشيخ مثل الأول، فوقع أيضا في قلبي أن أسمح بالعمامة، ثم ندمت، و هكذا ثالثا و رابعا، فقال شخص من الحاضرين و كان قاعدا في جنبي: يا شيخ، هل اللّه تعالى يكلّم أحدا؟
فقال: نعم، قد كلّم هذا الرجل الذي في جنبك في عمامة طبرية، و هو يقول:
ما أجد في نفسي أن أسمح بها، لأنّ قيمتها عشرة دنانير، و أهديت لي من آمل.
أقول: المراد من كلام اللّه تعالى في هذا المقام إنّما هو الإلهام. يعني ألهم اللّه تعالى في قلبه ليجود بالعمامة، و هو يمتنع لما يلقى الشيطان في نفسه ما يلقي. [و اللّه أعلم].
قال الحسن رحمه: فلمّا سمعت من الشيخ هذا الكلام وقعت عليّ رجفة، و أعطيت العمامة، و زال الإنكار من قلبي، و أتيت بمالي كلّه إلى الشيخ، و هو
[١] -في الأصل: الحسن المؤذن، و المثبت من أسرار التوحيد ٨٣، و انظر الفهرس ٤٥٤.