تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٥
و الحال أنّه ما ازداد فيها شيء أصلا، فبعد أربعين سنة اشتهى الرّطب اشتهاء شديدا، و كلّما [أراد] أن يصبر ازدادت شهوته إليه، حتّى فني صبره، و كان يمنع النفس عن أكله، و يمنّيها إلى أن عجز عن طلب النفس، و كان يقول: يا نفس، لا آكل الرّطب، فإن شئت الموت فشأنك و إياه، و إن أردت الهلاك فاهلكي، حتى سمع هاتفا يقول: لا بدّ لك من أكل الرّطب و إراحة النفس، فلمّا سمع الكلام، و حصل للنفس رخصة في أكله، قال مالك: يا نفس، إن أردت أطعمك، فصومي أسبوعا كاملا، ثم أطعمك، و لكن أريد ألا نفطر في الليل بشيء قطعا، و تحيي الليل كلّه في هذا الأسبوع بالقيام، فرضيت نفسه بذلك، و وفّت بالعهد، ثم ذهب مالك إلى السوق، و اشترى الرّطب، و دخل مسجدا ليأكل، فصاح صبيّ يهودي من السطح إيّاه، و قال: يا أبت، شخص يهوديّ اشترى شيئا من الرطب، و دخل هذا المسجد ليأكل. فقال أبوه اليهوديّ: كيف يدخل المسجد؟ فجاء إلى ذلك الشخص ليكشف الحال، فرأى مالكا، فوقع بين يديه، و تمرّغ في التراب، فقال مالك: ماذا قال الصبيّ؟ قال اليهوديّ: هو صبيّ معذور، ما عرفك، و الحال أن في محلّتنا و جيراننا ناسا من اليهود يصومون و لا يأكلون بالنهار شيئا، فظنّ الصبيّ أنّك منهم، و تعجّب من اشتغالك بأكل الرّطب، فاعف عنه يا شيخ؛ فإنه لم يتكلّم بهذه الكلام إلّا من الجهل. فالتهبت نار في فؤاد مالك، و علم أنّه كان من الغيب، فقال: يا ربّ العالمين، ما أكلت بعد شيئا من الرّطب و سمّيتني يهوديّا بلا جرم و لا ذنب؛ فإن أكلت منه شيئا كيف يكون حالي؟ بعزّتك و كبريائك لا آكل من الرّطب أبدا. و ما أكل.
و نقل: أنه وقع حريق في البصرة، فأخذ مالك نعليه و عصاه، و صعد الجبل، و منه ينظر إليهم، فبعضهم كان يحترق، و بعضهم يهرب، و بعضهم ينقل أثقاله و يحمل أحماله، و هو كان يقول: نجا المخفّفون و هلك المثقلون[١]، و هكذا يكون يوم القيامة.
[١] -انظر الحاشية-صفحة( ٦٧).