تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٧٣٣
بأبي عثمان! و كم تشتغلون عنّا بأبي عثمان! فحضرت اليوم الثاني حدّثت، و كنّا في تدبير أن نخبر هذا الشيخ، إذ دخل علينا الشيخ بالعجلة حافيا، و قال:
يا جماعة الأصحاب، لما سمعتم ما سمعتم، و حدّثتم به، فأعرضوا عن أبي عثمان، و لا تشوّشوه بعد اليوم.
قال أبو عبد الرحمن السّلمي: كنت عند الشيخ أبي عثمان رحمهما اللّه، و كان رجل ينزح الماء من البئر بالدّولاب، و نحن نسمع من الدولاب صوتا، فقال أبو عثمان: يا أبا عبد الرحمن، أتدري ما يقول الدولاب؟ قلت: لا.
قال: يقول اللّه، اللّه[١].
ثم قال: من يدّعي السماع، و لا سماع له من أصوات الأطيار[٢]، أو صرير الباب، أو هبوب الريح فهو كاذب في دعواه.
و قال الشيخ أبو عثمان رضي اللّه عنه: إذا استقرّ العبد في مقام الذكر فإنّه يصير كبحر تخرج منه أنهار و سواق، و تجري إلى الأطراف و الجوانب، و ذلك بحكم اللّه تعالى و مقتضى حكمته، و لا يكون فيه حكم لغير اللّه تعالى، و حينئذ فهو يرى الكون كلّه بنور الذكر، و لا يخفى عليه شيء من عالم الملك و الملكوت، و السموات و الأرضين، حتى إذا تحرّكت نملة في حجرتها، فإنه يراها، و حينئذ تتمّ حقيقة التوحيد، و تحصل له من الذّكر حلاوة و لذّة إلى أن يتمنّى الموت و الفناء، لأنّه لا يبقى له طاقة ذوق تلك اللذّة.
و نقل الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه أن الشيخ أبا عثمان رحمه اللّه لم تكن له طاقة لذّة الذكر، و طاقته كانت تفنى أحيانا، فكان يرمي نفسه من الخلوة إلى الخارج و يهرب.
و نقل عن الشيخ أبي عثمان رحمه اللّه أنه قال: من استأنس بالمعرفة و ذكر اللّه تعالى فلا يزول أنسه بالموت، بل يزداد بأضعاف ما كان في حياته،
[١] -الرسالة القشيرية ٤٨٠( السماع).
[٢] -في الرسالة القشيرية: من ادعى السماع و لم يسمع صوت الطيور.