تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦٨٣
الخيانة مع الحقّ أشدّ من الخيانة مع الخلق؟ قلت: نعم، و لكن كأنّ المتواجد معتقد أنّ اللّه تعالى غير مطّلع على ما في ضميره، حيث يظهر الشوق للناس، و حسن كمال المحبة له، و ليس كذلك، و لا خفاء في أنّ نسبة الجهل إلى اللّه تعالى من أعظم الذّنوب؛ بل هي توجب الكفر بخلاف الغيبة مع اعتقاد الحرمة.
[و اللّه أعلم].
نقل أن الشيخ رحمه اللّه أبا عمرو قد عهد مع اللّه تعالى أن لا يسأل منه إلّا رضاه، و كانت له بنت، كانت زوجة الشيخ [أبي] عبد الرحمن السّلمي[١] رحمه اللّه، و عرضت لها عارضة إسهال عجزت الأطباء عن معالجتها، فقال الشيخ عبد الرحمن لامرأته: إن علاج دائك عند أبيك لو أذن. قالت: كيف؟
قال: إنّ لأبيك عهدا مذ أربعين سنة أن لا يسأل اللّه إلّا رضاه، فإنّه لو نقض العهد، و سأل اللّه تعالى أن يعافيك لعافاك. قال: فذهبت إليه ليلا في محفّة، فقال لها أبوها متعجّبا: يا ابنتي، ما جئت إلينا مذ عشرين سنة، فأيّ شيء جاء بك الليلة؟ فأخبرت له الحال، و قالت: لي أب مثلك، و بعل هو إمام في وقته، و إنّي أحبّ الحياة لأسمع منك و من بعلي أمورا تنفعني في ديني، و ترغّبني في ذكر اللّه تعالى، فأتيتك لعلّك تسأل اللّه تعالى أن يعافيني و يشفيني. فقال الشيخ أبو عمرو رحمه اللّه: أمّا نقض العهد فلا يجوز، و أما طلبك الحياة، فإنّك إن لم تموتي اليوم تموتي بعده البتّة، و الموت للذي يموت خير من حياته، و اعلمي أيضا أنّي إن أنقض العهد لأجلك كنت أنت شرّ الولد، فلا توقعيني في المعصية، و اصطبري، لعلّ اللّه يشفيك يا ابنتي، و دعيني فظنّي أنّ أجلي قريب.
و قال: إن قدّر اللّه تعالى موتك قبل موتي، فأنا أحضر جنازتك، و أصلّي عليها.
فهي ودّعته و خرجت إلى بيت زوجها، فما وصلت إلى البيت إلّا صحيحة طيّبة، و قد زال العارض عنها بالكلّية ببركة صدق أبيها رحمه اللّه، حتى عاشت بعد وفاة أبيها أربعين سنة.
[١] -في طبقات الصوفية ٤٥٤، و مناقب الأبرار ٨١٢ أن أبا عمرو بن نجيد جدّ أبي عبد الرحمن السّلمي.