تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦٦٣
و توضّأت و مضيت، و لم أحتج إلى الماء إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه و سلم، ثم لمّا رجعت و وصلت بغداد، و كان يوم الجمعة، و دخلت الجامع، رآني الجنيد رحمه اللّه، و قال: لو اصطبرت لكنت تشرب الماء من تحت قدميك.
قال: سمعت أنّ شيخا و شابا قد اشتغلا بالمراقبة[١] بمصر، فقصدتهما، و دخلت مصر[٢]، و أتيتهما، فوجدتهما قاعدين مستقبلين القبلة. فسلّمت عليهما ثلاث مرات، و لم يلتفتوا إليّ، فقلت: أقسم عليكما باللّه أن تردّا عليّ الجواب. فالشابّ رفع رأسه، و قال: يا بن الخفيف، الدنيا قليل، و لم يبق من هذا القليل إلّا القليل، و ليس نصيبنا من هذا القليل إلّا قليل، فعليك يا بن الخفيف في هذا القليل بكسب الكثير، و لعلّك فارغ، فتلفت إلى السلام علينا.
فقال هذا، و أدخل رأسه في جيبه، و اشتغل بالمراقبة كما كان، و قد كنت أنا عطشان جائعا، فسبتهما، و مكثت إلى أن صلّيت الظهر و العصر معهما، ثم استوصيتهما، فقال الشابّ أيضا: يا بن الخفيف، نحن أصحاب المصيبة، فأين لسان التكلّم حتى نوصيك؟ فبقيت عندهم ثلاثة أيام، فلا أكلنا و لا طعمنا و لا نمنا، و كنت أفتكر في شيء أقسم عليهما به، لعلّهما يوصياني بوصية، فرفع الشابّ رأسه، و قال: اطلب صحبة شخص رؤيتك إيّاه تذكّرك اللّه عند رؤيته، ثم تقع هيبته في قلبك، و بلسان الفعل يوصيك لا بلسان المقال. فقلت:
يا عبد اللّه، حسبك هذه الوصية. فرجعت و ما صد عنهما[٣] بعد.
نقل أنه قال: كنت بأرض الروم، فخرجت إلى الصحراء يوما، رأيت جماعة من أهل الروم أتوا براهب صار من كثرة الرياضة كالخلال[٤]، و جمعوا حطبا، و أحرقوا الراهب حتى صار رمادا، ثم أخذوا رماده و سقوا المرضى، و كحّلوا به أعين العميان، فبرئوا بقدرة اللّه تعالى، و طابت الأعين، و أنا في
[١] -في الأصل: بالمرافقة، و انظر تتمة الخبر.
[٢] -كذا الأصل، و الخبر في تهذيب الأسرار ١٠٤، و مناقب الأبرار ٨٢٧: فدخلت صور.
[٣] -كذا في الأصل، و لعله: و ما سمعت عنهما بعد.
[٤] الخلال: العود يجعل في لسان الفصيل لئلا يرضع، أو العود مطلقا.