تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦٣١
نقل أنّ رجلا زار أبا بكر الوراق رحمه اللّه، ثم عند الرجوع استوعظه، فسمعوا صوتا، و لم يروا شخصا: وجدنا خير الدّنيا و الآخرة في قلّة المال، و شرّ الدنيا و الآخرة في كثرة المال، و الاختلاط مع الناس.
نقل أنه قال: خدمت ألفا من المشايخ، فما أفادني واحد منهم كما أفادني شيخ وصلت إليه في سفر خراسان، و لازمته مدّة من الزمان، و انفتح لي ببركته كثير من الفتوح، ثم قال عند المفارقة: هل يكون في بلدكم شيطان؟ قلت:
نعم. قال: كيف تعملون معه؟ قلت: نحاربه ليلا و نهارا. قال: سبحان اللّه، إذا بقيتم مع العدوّ في المحاربة و المخالفة، فمتى يكون الصّلح و الموافقة مع الحبيب؟ قلت: علّمنا كيف نعامله. قال: إذا وصلت إلى قطيع غنم عظيم، و حملت عليك الكلاب، فلا تنفعك المحاربة لهم و الصياح عليهم؛ بل إنّما ينفعك الاستغاثة بالراعي، و إلفتك إيّاه، فكلّهم يوافقك و لا يؤذيك أبدا، فكذلك أنتم إن أردتم الخلاص من الشيطان، و النجاة من مكره، فاختاروا محبّة اللّه تعالى بالإخلاص، و اهربوا إليه لينجيكم من شرّ الشيطان.
و قال أبو بكر الورّاق رحمه اللّه: الناس على ثلاثة أقسام: الأول الأمراء، و الثاني العلماء، و الثالث الفقراء. فإذا فسدت الأمراء يفسد وجود معاش الناس و اكتسابهم، و إذا فسدت العلماء تفسد أحوال الناس في الطاعات، و سلوك طريق الشريعة، و إذا فسدت الفقراء يفسد الناس في الصلاح و المعاملة مع الحقّ جلّ جلاله.
أقول: و تحقيق ذلك أنّ الإمارة لأجل إصلاح الناس[١] في أمور معاشهم و مكاسبهم بدفع الظلم، و رفع الجور، و منع المتمرّدين، و إفشاء المعدلة، و إظهار الرأفة بين الأنام، و المطلوب من العلم إصلاح الدين، و ما ينفع في المعاد من معرفة النفس، و المبدأ و الاستعداد له بالزاد الذي هو العمل الصالح، و تهذيب الأخلاق. و الفقر إنّما هو لتقوية ذلك بالرّياضة و المجاهدة، و كسر
[١] -في( أ): الإمارة إنما هي لإصلاح الناس.