تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦٣٠
أراد أن يرجع قال: أنا الخضر، و كنت في طلب صحبتي مدّة، و اليوم اشتغلت بالصّحبة، و تركت وردك من قراءة القرآن، فإذا كانت الصّحبة مع الخضر هكذا، فكيف مع غيره؟ فعلم أنّ العزلة و الوحدة و الخلوة و الاشتغال بالحقّ أشرف و أفضل من الصّحبة.
نقل أنه رحمه اللّه كان له ابن، و سلّمه إلى معلم يعلّمه القرآن، فجاء يوما قد اصفرّ وجهه، و هو يرجف، فسأله أبوه عن حاله، قال: علّمني الشيخ المعلّم اليوم آية و هي قوله تعالى: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [المزمل:
١٧].
أقول: قيل: يصير الطفل يوم القيامة شيخا ذا شيبة إمّا لطول ذلك اليوم، أو لكثرة الأحزان و الهموم فيه، و كثرة الحزن ممّا يشيب الإنسان، كما قال صلى اللّه عليه و سلم:
«شيّبتني سورة هود»[١] ٧، و ذلك لحصول الحزن بسبب قراءتها، و معرفة ما فيها من أهوال القيامة و أحوالها، أو قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢]. و اللّه أعلم.
ثم قال الصبي: فزع قلبي من هول يوم القيامة، و مات من ذلك، و أبوه رحمه اللّه كان يبكي على قبره، و يقول: يا ولدي، أنت سمعت آية من كلام اللّه تعالى و زهق روحك من الخوف، و أبوك قرأ القرآن كلّه، و ختم كم مرّة، و لم يؤثّر فيه!.
نقل أنه رحمه اللّه كلّما كان يفرغ من أداء الصلاة يستحيي مثل من يتّهم بسرقة أو بجريمة كبيرة.
أقول: و ذلك لأنّه كان يستحقر عبادته، و يعظّم اللّه تعالى غاية التعظيم، ثم يستحيي من اللّه تعالى في أنّه خدم حضرته المقدّسة بما لا يليق بكبريائه و عظمته. و اللّه أعلم.
[١] -أخرجه الترمذي( ٣٢٩٣) في التفسير، باب و من سورة هود، و أبو يعلى ١/ ١٠٢، و صححه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧٦، و وافقه الذهبي.