تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦٢
ما قال، فأخذ المشرك المجوسيّ ذلك الكتاب، و بكى كثيرا، و آمن باللّه و كتبه و رسله و اليوم الآخر، و وصّى الحسن، و قال: أريد أن تغسّلني بيدك، و تضع الخطّ في يدي ليكون حجّة لي عند اللّه، و تدفنني في مقابر المسلمين. فلمّا أتمّ الوصية خرجت روحه، و تولّى الحسن ما وصّاه به، و صلّى عليه في ناس كثير من المسلمين، ثم وقع اضطراب في قلب الحسن من هذا الفعل، و صيرورته ضامنا له، و ما نام تلك الليلة من هذا الفكر[١]، و كان يصلّي و يقول في نفسه:
ماذا فعلت، أنا أعطيت خطّا على جهل، و استجريت على هذا الجهل العظيم، و الخطب الجسيم[٢] إذ ليست رحمة اللّه في تصرّفي، و أنا غريق في بحر موّاج، كيف أقدر على تخليص غيري؟ و كان في هذا الفكر، إذ أخذه النعاس في السحر، فرأى شمعون في المنام، و له وجه و ضيء أضوأ ما يكون، و على رأسه تاج، و عليه حلّة، و هو يتبسّم و يطوف في رياض الجنة في غاية البشاشة و الفرح و السرور، قال له: يا شمعون، كيف حالك؟ فقال: أتسأل عن حالي و أنت تشاهدني و تنظر إليّ! إنّ اللّه تبارك و تعالى رحمني، و أنزلني في دار كرامته، و غمرني بأنواع نعمته، و شرّفني برؤيته، و ما فعل معي من اللطف و الإحسان لا تحصيها العبارة، و لا يحويه التقرير[٣]، و أنت يا شيخ قد خرجت من الضمان، خذ كتابك؛ إذ لا حاجة لي بعد إليه. فأخذ الشيخ الكتاب، و انتبه من النوم، و الكتاب في يده، فبكى حتى غسل المكتوب بدموعه، و قال: إلهنا و مولانا، علمنا أن لطفك و إحسانك لا يحصل بعلّة، و إنّما هو محض تفضّل و امتنان، من ذا الذي يصير خاسرا لديك، و أنت ترحم مجوسيّا عبد النار طول عمره و أيام دهره.
نقل: أنّه كان فيه- رحمه اللّه- من الانكسار و التواضع ما لا يوصف، حتى إنه ما كان ينظر شخصا من الأشخاص إلّا و يعدّه أشرف من نفسه و أفضل، فاتّفق
[١] -في( ب): من هذا الفعل.
[٢] -في( أ): و الخطر الجسيم.
[٣] -في( ب): و لا يحويه التقدير.