تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٦
القيود جرّدهم و أنجاهم، و قرّبهم إليه فناجاهم، و نادى في سرّ محبّ في مفازة الحبّ هنالك: أبشر و لا تحزن، فأنت لي و أنا لك. ثم إنّهم ما نظروا إلى الدنيا إلّا بالاعتبار، فلا جرم أنّهم فرّوا منها أشدّ الفرار، و لم يلتفتوا إلى الآخرة و إن كانت هي دار القرار، فرفضوهما و نبذوهما وراءهم ظهريّا، و نفضوا أذيالهم عنهما و جعلوهما نسيا منسيّا، فلم ينظروا إلى ما سواه، و لم يطلبوا منه إلا إياه.
و هم على اختلاف طبقاتهم و تفاوت درجاتهم على قسمين:
١- فمنهم: من أخفاه اللّه عن الخلق غيرة عليه، و إجلالا له، فلا يعرفه مخلوق و لا يعلم حاله، و نعم ما قيل فيهم[١]:
|
للّه تحت قباب العزّ طائفة |
أخفاهم عن عيون الخلق إجلالا |
|
|
هم السّلاطين في أطمار مسكنة |
استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا |
|
|
غبر ملابسهم فطس معاطسهم |
جرّوا على قلل الأفلاك أذيالا[٢] |
|
٢- و منهم: من أظهره إرشادا لغيره و له تحكيما[٣]؛ ليتّبعوا أفعاله و يقتفوا أحواله و تكميلا، فشرّف بذكرهم الألسنة و الخواطر، و الأقلام و الدفاتر، و شوّق إلى كلماتهم الصالحين، و عطّش إلى معاملاتهم المتّقين، فاجتهدوا بأنوارهم في طلبهم فوجدوهم، و استرشدوا بهم فأرشدوهم، حتى اهتدوا بأنوارهم ذرة[٤] فالتزموا اقتفاء آثارهم، فطوبى لهم و حسن مآب، إذ لا خوف عليهم- إن شاء اللّه- و لا هم يحزنون.
٣- و قوم أبغضهم و أنكرنا عليهم أحوالهم، فصارت فعالهم أفعى لهم، فخبث لهم و شرّ مآب، و خسر هنالك المبطلون.
ثمّ اللّه جلّت قدرته، و علت كلمته منّ على العالمين عموما و على المؤمنين خصوصا بوجود سلطان عادل كريم، على المؤمنين شفيق و بهم رحيم، جبل
[١] -ذكر الأبيات ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ٨/ ٢٤ من غير عزو.
[٢] -النجوم الزاهرة: شمّ معاطسهم. جرّوا على فلك الخضراء أذيالا.
[٣] -و تقرأ: و له تحليما.
[٤] كذا في الأصل، و لعلها: ذروة.