تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٧١
الذنب؟ قال: في أيام الجهل نظرت إلى أمرد، و أعجبني حسنه[١].
نقل أنه رآه آخر في المنام يبكي و يضطرب، فقال: تريد الرجوع إلى الدنيا؟
قال: نعم، و لكن لا لمحبّة الدنيا؛ بل لأن أشدّ وسطي، و آخذ بيدي عكازة، و أدور على الناس و أنصحهم و أدعوهم إلى الحقّ؛ فإنّهم غفلة لا يدرون ماذا تركوا، و عمّاذا غفلوا.
أقول: هذا يدلّ على أنه قد اطّلع على حقيقة الحال، و أنه في غاية الشفقة على خلق اللّه تعالى، و في الحقيقة الشفقة على الخلق أيضا تعظيم لأمر اللّه، لأنّه تعالى لا يرحم من عباده إلّا الرحماء، قال صلى اللّه عليه و سلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»[٢] قيل: و هذا أول حديث سمع[٣] منه صلى اللّه عليه و سلم. و اللّه أعلم.
نقل عن آخر أنّه رآه في المنام، فقال: ما فعل اللّه بك؟ قال: عدّ عليّ ذنوبي و خطيئاتي ذرّة ذرة، ثم عفا عنّا جبلا جبلا.
و رآه آخر في المنام كأنّه يمرّ على الصراط، و قد صار عرض الصراط مسافة خمس مئة سنة، فقال: يا عجبا، كنّا نسمع أنّ الصراط أدقّ من الشعرة، و أراه الآن بهذا العرض! قال الأستاذ: الحال كما سمعت، و لكنّه يتّسع لمن سلك في الدنيا أضيق الطريق و أدقّه، و يتضيّق لمن سلك فيها طريقا واسعا.
نقل عن أبي بكر الصيرفيّ و هو أحد تلاميذ الأستاذ، أنه كان يواظب زيارة
[١] -هذه الرؤيا وردت في الرسالة القشيرية ٥٣٤( رؤيا القوم) عن أبي عبيد اللّه الزرّاد.
[٢] -رواه أحمد في المسند ٢/ ١٦٠، و الترمذي( ١٩٢٥) في البر و الصلة، باب في رحمة الناس، و أبو داود( ٤٩٤١) في الأدب، باب في الرحمة، و الحاكم ٤/ ١٥٩، و البيهقي في سننه ٩/ ٤١، و هو حديث صحيح بشواهده، انظر مجمع الزوائد ٨/ ١٨٧.
[٣] -هذا الحديث« الراحمون يرحمهم ...» حديث مسلسل بالأولية، و التسلسل من نعوت الأسانيد، و هو عبارة عن تتابع رجال الإسناد و تواردهم فيه واحدا بعد واحد على صفة أو حالة واحدة، و المسلسل بالأولية نوع من أنواع التسلسل، و فيه يتتابع رجال إسناده و يتواردون بشرط أن يكون أول حديث سمعه رجال السند من شيخ معين من شيوخهم.