تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٥٠٠
كان ساكنا، غير صائح، و لا يتنفّس؛ لكنّ اللّه تعالى جلّ ثناؤه أوصل صياحه إلى أسماع الجيران، ليعلم أنّ السكوت هو السكوت الباطني لا الظاهري؛ فإنه لو كان ساكنا في الباطن كما كان في الظاهر لما سمع جيرانه صوته، فامتحنه اللّه تعالى بذلك، لئلا يدّعي بما لا يطيق.
نقل أنه أنشد هذا البيت.
|
و ليس لي في سواك حظّ |
فكيفما شئت فاختبرني |
|
فاحتبس بوله، و هو يدور في الكتّابات على الصبيان، و يقول لهم:
ادعوا اللّه تعالى على زعم هذا المدّعي الكذّاب، لعلّ اللّه تعالى يشفيني.
قال أبو محمد المغازلي: كنت أنا و سمنون في بغداد، فتصدّق شخص أربعين ألف درهم على الفقراء، و لم يصل إلينا في ذلك درهم، فقال سمنون:
تعال نذهب إلى موضع خال، و نصلّ بعدد كلّ درهم تصدّق به الرجل ركعة.
فذهبنا إلى مدائن[١]، فصلّينا أربعين ألف ركعة.
قيل: إنّ شخصا من غلمان الخليفة أشهر نفسه بالتصوّف، و باع دينه بدنياه، و حصل له قبول عند الخليفة، و كان يقول في حقّ أهل التصوف عنده، حتى ظهر سمنون، و ترقّى شأنه، و اشتهر أمره، و انتشر صيته، فأوصل إليه الغلام المتصوّف أذى كثيرا، و يطلب فرصة ليفضحه إلى أن كانت امرأة منعّمة تعرض نفسها إلى سمنون ليتزوّج بها، و هو يمتنع عنها، و لم يقبلها، فذهبت إلى الجنيد تستشفع به إلى سمنون، فنهرها الجنيد، ثم ذهبت المرأة إلى الغلام، و رمت سمنون ببهتان، ففرح الغلام بذلك، و سعى في حقّه إلى الخليفة حتى تغيّر الخليفة عليه، و طلب السيّاف، و سمنونا، و أراد أن يأمر بقتله، فلمّا حضر سمنون، كلّما أراد الخليفة أن يتكلّم، فما أطاق أن يتكلّم بشيء، و رأى الليلة في المنام قائلا يقول له: زوال ملكك متّصل بزوال سمنون. فلمّا أصبح أكرم سمنونا، و عزّزه و ردّه إلى مكانه، و ازدادت عداوة الغلام معه إلى أن ابتلاه اللّه
[١] -في( أ): فذهبنا إلى مدين.