تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٧٠
يبكي ببكائه، ثم لمّا خرج الرجل من عنده، قال للحاضرين من أصحابه: هل عرفتم الشخص؟ قالوا: لا. قال: هو الشيطان، كان يحكي عباداته و خدماته، و يبكي من ألم الفراق و الردّ و الطرد، و أنا أيضا بكيت معه.
قال جعفر الخلدي[١] رحمه اللّه: كان النّوريّ رحمه اللّه في خلوته مشغولا بمناجاته مع اللّه تعالى فاستمعت له، فإذا هو يقول: إلهي، تعذّب أهل جهنم، و أنت خلقتهم بقدرتك على وفق علمك و إرادتك؟! و أعلم أنّك قادر على أن تملأها منّي وحدي، فأسألك اللّهمّ أن تملأ جهنّم منّي، و تدخل الناس كلّهم الجنة. فتحيّرت عن هذا، ثم رأيت في المنام كأنّ شخصا يجيء إليّ و يقول:
يا جعفر، قال اللّه تعالى: قل للنوري: إنّا غفرنا له و رحمناه بسبب شفقته و عاطفته.
نقل أنّه قال: وجدت ليلة المسجد الحرام- شرّفه اللّه- خاليا عن الناس، فاشتغلت بالطواف، و وصلت إلى الحجر الأسود، و قلت: إلهي، ارزقني صفة لا أتغيّر منها، فسمعت صوتا من داخل الكعبة: يا أبا الحسين، تريد المعارضة معنا، فإنّا لا نتغيّر عن أوصافنا، و أمّا العباد فهم يتغيّرون من صفة إلى صفة، و من حال إلى حال لتتميز الرّبوبية عن العبودية.
قال الشبلي رحمه اللّه: دخلت على النّوري رحمه اللّه و هو في المراقبة، و لا تتحرّك عليه شعرة، فقلت: من علّمك هذه المراقبة؟ قال: إنّي قد تعلّمت من السنور؛ فإنّه يترقّب الفأرة بحيث لا تتحرّك عليه شعرة، بل هو أسكن منّي بكثير.
نقل أنّ أهل القادسية[٢] سمعوا ليلة صوتا: أنّ وليّا من أولياء اللّه قد حبس نفسه في وادي السباع[٣]، هلمّوا إليه. فخرج الناس، و ذهبوا إلى وادي السباع، فصادفوا الشيخ أبا الحسين النّوري رحمه اللّه قد حفر حفرة[٤]، و دخل فيها،
[١] -في( ب): جعفر الخدري.
[٢] -القادسية: مدينة بينها و بين الكوفة خمسة عشر فرسخا. معجم البلدان.
[٣] -وادي السباع اسم لأكثر من مكان، و هو هنا من نواحي الكوفة، معجم البلدان.
[٤] في( أ): حفر حفيرة.