تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٣٤
و نقل أنّه لمّا ترقّى شأنه، أشار إليه السريّ السقطي بأن يعظ الناس، و يعمل للوعظ ميعادا من الأيام، و كان الجنيد غير راغب في الوعظ، و يقول: مع وجود الشيخ يكون سوء أدب. حتى رأى في المنام أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم أمره بالوعظ، فأصبح و أراد أن يذكر المنام للشيخ السريّ رحمه اللّه، فحين طلع من البيت صادف السريّ واقفا بالباب، و قال: يا جنيد، مشايخ بغداد التمسوا منك الوعظ، و أنا أيضا رأيت فيه المصلحة، و أشرت إليك به، فلم تقبل حتى أمرك النبيّ صلى اللّه عليه و سلم بذلك، فالآن لزمك امتثال أمر النبيّ صلى اللّه عليه و سلم. فأجاب الجنيد، و استغفر اللّه تعالى، و قال: يا شيخ، بم عرفت أنّي رأيت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في المنام؟ فقال السريّ رحمه اللّه: إنّي رأيت اللّه تبارك و تعالى في المنام، فقال: يا سريّ، اعلم أنّي أرسلت محمدا صلى اللّه عليه و سلم ليأمره بالوعظ. قال: أشتغل بالوعظ بشرط أن لا يكون في المجلس أكثر من أربعين. ففعلوا كذلك، و اشتغل بالوعظ، فمات ثمانية عشر من الأربعين، و أغمي على اثنين و عشرين.
و نقل أنه بينما كان مشغولا بالوعظ في بعض الأيام إذ دخل في مجلسه نصرانيّ على زيّ المسلمين، و لم يعرفه أحد من الحاضرين، و قال: أيّها الشيخ، قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «اتّقوا فراسة المؤمن؛ فإنّه ينظر بنور اللّه تعالى[١]». قال الجنيد رحمه اللّه: صدقت، و لكنّ فراستي تقتضي أن تقطع زنّار الكفر، و تدخل في الإسلام، و تعلم أنّ قول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم حقّ؛ فإنّ المؤمن ينظر بنور اللّه. فأثّر الكلام في قلب النصرانيّ، فآمن عن قلب صاف، و تعجّب الحاضرون من فراسته.
ثم انقطع عن المجلس، و ترك الوعظ، كلّما ألحّوا عليه لم يقبل، و قال:
علمت أنّه أعجبني الوعظ، فلو اشتغلت به لهلكت. ثم بعد زمان شرع فيه بلا طلب، فقيل له في ذلك، قال: وجدت في بعض الأحاديث أنّ في آخر الزمان
[١] -حديث أخرجه الترمذي( ٣١٢٧) في التفسير، باب و من سورة الحجر، و الطبراني في الكبير ٨/ ١٠٢، و أبو نعيم في الحلية ٦/ ١١٨، و الخطيب في تاريخ بغداد ٥/ ٩٩، و حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٨.