تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤١٢
أسألك أن ترزقني شيئا لأنفقه على هؤلاء من عبادك، و إلّا بعزّتك لأكسرنّ جميع القناديل في المسجد الحرام. قال هذا و شرع في الطواف، فاستقبله في الحال رجل و أعطاه صرّة، و أخذها و صرفها على فقراء الحرم.
و نقل أن الشبلي رحمه اللّه قد أضاف أبا حفص أربعة أشهر، كان يقدّم إليه أنواع الأطعمة اللذيذة، و يتكلّف في ذلك، و يهيّئ كلّ يوم أنواعا من الطعام و ألوانا منه، فقال له أبو حفص يوم الوداع: إن جئت إلى نيسابور إنّي أريك طريقة الضيافة، و أعلّمك وظيفة الدعوة[١] للإخوان. قال الشبلي: و ماذا وقع منّي من التقصير في الخدمة؟ قال: ذلك أنّك تكلّفت، و المتكلّف لا يكون ذا فتوّة، بل ينبغي أن تكون رعاية المضيف للضيف على حدّ لا يتضجّر بنزوله، و لا يفرح بارتحاله، إذ التضجّر بنزول الضيف، و السرور بارتحاله بعيد من الفتوة. ثم اتّفق للشبلي أن سافر إلى خراسان، و انتهى في سيره إلى نيسابور، و نزل عند أبي حفص مع أربعين إلّا واحدا، ففرح أبو حفص و أكرمهم، و أشعل في الليل واحدا و أربعين سراجا[٢]، فقال الشبلي رحمه اللّه: يا شيخ، أليس هذا تكلّفا، و إنك قد منعتنا عنه، و أتيت بمثله؟! قال أبو حفص رحمه اللّه: قم يا شبلي و أطفئ السراج. فقام الشبلي، و اجتهد في ذلك، و لم يقدر إلّا على إطفاء واحد منها، ثم سأل عن هذا السرّ، فقال أبو حفص: أنتم أربعون، و أنا أشعلت لكلّ منكم سراجا لوجه اللّه تعالى، و أشعلت لنفسي سراجا، فالذي كان لغير اللّه تعالى قدرت على إطفائه، و الذي كان للّه لم تقدر على إطفائه.
سئل أن السكوت أولى للولي، أم الكلام؟ قال: لو علم الوليّ آفة الكلام لسكت، و لو كان على عمر نوح ٧ مثلا و إن وصل إلى راحة السكوت، سأل اللّه تعالى أن يوفّقه على السكوت مدة.
قيل له: لم لا تحبّ الدنيا[٣]؟ قال: لأنها مرامة، تلقي العباد كلّ يوم في
[١] -في( ب): طريق الضيافة، و أعلمك طريقة الدعوة.
[٢] -في( أ): و أشعل في الليل أربعين سراجا و واحدا.
[٣] -في( ب): لم لا تحب النيسابور.