تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤١١
فتعالوا. فقيل له: و بم علمت أنّا جئنا إليك بالحلاوى؟ قال: إنّي كنت أمس في مناجاة، فخطر ببالي أنّ أولادي ما أكلوا الحلاوى من زمان، و يطلبون منّي، علمت أنّ اللّه تعالى قد بعثه لهم.
نقل أن الشيخ أبا حفص رحمه اللّه كان له من جملة المريدين معه رجل مؤدب، و نظر إليه الجنيد كم مرّة، و أعجبه من حسن أدبه و خدمته لشيخه و تواضعه له، ثم قال الجنيد لأبي حفص: كم سنة هو في خدمتكم؟ قال أبو حفص: عشر سنين. قال الجنيد: للّه درّه، حصل له في هذه المدّة ببركتكم معرفة و أدب و سيرة جميلة. قال الشيخ أبو حفص: نعم، هو قد أنفق على الفقراء في مجلسنا سبعة عشر ألف دينار، و استقرض سبعة عشر ألف دينار و صرفها على حوائج السفر لأصحابنا، و مع هذا لا يستجري على أن يسألني مسألة.
نقل أنه قال: التقيت بأبي تراب النّخشبي رحمه اللّه في البادية، و الحال أنّي ما ذقت طعاما منذ ستة عشر يوما، فذهبت إلى بركة ماء لأشرب منها، و بقيت هناك متفكّرا. قال أبو تراب: ما أقعدك على جنب البركة؟ قلت: إنّي متردّد بين العلم و اليقين، و انتظر غلبة واحد منهما، فإن غلبني العلم شربت، و إن غلبني اليقين تركت و ذهبت.
أقول: معناه: إن غلبني العلم بأن العطشان إذا وصل الماء، و لا مانع هناك، فله أن يشرب منه، و إن وصلت إلى مقام اليقين، و تحققت أن لا أقدر على الشرب إلّا بعد أن قدّر اللّه تعالى لي، و تحقّقت أنه لم يقدر لي الهلاك بسبب العطش، لا يضرّني العطش ألبتّة، فحينئذ لا ألتفت إلى الماء و لا أشتغل به، و اصطبر على مضض العطش؛ فإنّ الاشتغال يدفعه حظّ النفس الأمّارة، و في مدّة الشرب يبقى القلب مشغولا عن ذكر اللّه تعالى، و هذا من أعظم المصائب عندهم. و اللّه أعلم.
نقل أنه حين دخل مكّة شرّفها اللّه تعالى، رأى فيها كثيرا من الفقراء البالغين حدّ الاضطرار، فحصل له من ذلك حالة، و أخذ حجرا، و قال: إلهي، بعزّتك