تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤١٠
هذا؟ قلت: الشفقة عليهم. قال: و إلى أيّ بعد بلغت شفقتك عليهم؟ قلت:
إلى حدّ لو أمرني اللّه أن أدخل النار بدل عباده، و عذّبني مكانهم، و أدخلهم الجنّة لكنت راضيا. قال: فعلى هذا يجوز لك أن تعظهم؛ و لكن عظ نفسك أولا، و لا تغترّ بكثرة الناس في مجلسك؛ فإنهم ينظرون إلى ظاهرك، و اللّه تعالى مطّلع على ظاهرك و باطنك. قال أبو عثمان: فطلعت المنبر، و شرعت في الكلام، و الشيخ أبو حفص كان في زاوية من المسجد، فقام شخص و سأل قميصا، فخلعت قميصي، و أعطيته السائل، فقال أبو حفص: يا كذاب، انزل من المنبر. قلت: و ما كذبي؟ قال: ادّعيت أن شفقتك على الناس أكثر من شفقتك على نفسك، ثم إنّك سبقتهم في بذل القميص، و ما تركت لهم هذا الفضل، و آثرت بها نفسك، أفلا تكون كذابا؟.
و نقل أنه كان عابرا في السوق، إذ استقبله يهوديّ، فوقع أبو حفص على الأرض، و دهش، فحين أفاق سئل عن ذلك، قال: رأيته ملتبسا بلباس العدل، و رأيتني ملتبسا بلباس الفضل و خشيت من تعكيس الأمر، و تبديل الحال، فلذا زال عقلي.
نقل أنه رحمه اللّه قصد سفر الحجّ، و وصل في سفره إلى بغداد، فقال جماعة المريدين بعضهم لبعض: الشيخ لا يعلم لسان العرب أصلا، و إذا اتّفق له مع مشايخ بغداد صحبة، كيف يكون الحال؟ و هذا عار علينا عظيم. و سيّر الجنيد جماعة من أصحابه لاستقبال الشيخ أبي حفص، فعند الملاقاة شرع يحدّث معهم بالعربية أفصح ما يكون، حتّى تعجّب أهل بغداد من فصاحته، و اللّه على كلّ شيء قدير.
نقل أنه قال للجنيد رضي اللّه عنه: مر بعض أصحابك ليحصل من الحلاوى قدرا صالحا، و يحمله على حمّال، و يدور به الحمّال في أزقّة بغداد حتى يتعب، ففي أيّ موضع وجد في نفسه التعب ليدقّ الباب القريب منه، و يهديه لصاحب ذلك البيت.
ففعلوا و القصة إلى آخرها، دقّوا بابا، و قال شخص: إن جئتم بالحلاوى