تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٤٠٩
و نقل أنه كان جارا لدار الحديث، فقيل له: لم لا تحضر المجلس، و تسمع الحديث؟ قال: لأني قد سمعت منذ ثلاثين سنة حديثا، و هو ما روي أنّه قال صلى اللّه عليه و سلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[١] و إني لا أستطيع أن أعمل بمعنى هذا الحديث، فكيف أسمع حديثا آخر؟!.
و نقل أنه خرج إلى الصحراء مع أصحابه، فبينما طاب وقتهم إذ جاء غزال، و وضع رأسه في حجر الشيخ، فلمّا رأى الشيخ هذه الحالة، أخذ يلطم وجهه و يشهق، حتى فارقهم الغزال، فسأله بعض الأصحاب عن ذلك، قال: حين طاب لنا الوقت خطر ببالي لو كان [لنا] غنمة لشويناها، و بتنا الليلة هنا، و لم نتفرّق، إذ جاء الغزال، و انقاد كما رأيتم. قالوا: و لم لطمت وجهك و شهقت حتى راح الغزال، و من كان له مع ربّه هذا الشأن، و عنده هذا القرب كيف يتحزّن بظهور هذه الكرامة؟ قال: صدقتم، و لكن من أعطي مراده في الدنيا حرم بذلك القدر في الآخرة، أما سمعتم أنّ نيل مصر كان يجري على مراد فرعون لعنه اللّه لعنة دائمة.
و نقل أنه إذا حصل له غضب أو انزعاج كان يحدّث في حسن الخلق حتى يسكن غضبه، ثم كان يشرع في حديث آخر.
و نقل أنه أبصر رجلا باكيا متضرّعا متحيّرا في حاله، قال: ماذا أصابك؟
قال: كان لي من عرض الدنيا حمار، فضاع عنّي. فقال الشيخ: إلهي، بعزّتك أسألك أن تردّ عليه حماره. ما رفع قدمه عن ذلك المكان بعد إذ جاء الحمار إلى صاحبه.
نقل عن الشيخ أبي عثمان الحيري أنه قال: قلت للشيخ أبي حفص الحداد رحمهما اللّه: إنه قد ظهر لي أن أحدّث للناس و أعظهم. قال: و ما حملك على
[١] -رواه مالك في الموطأ ٢/ ٩٠٣، في حسن الخلق، باب ما جاء في حسن الخلق، و الترمذي( ٢٣١٨ و ٢٣١٩) في الزهد، باب رقم( ١١)، و ابن ماجه( ٣٩٧٦) في الفتن، باب كف اللسان في الفتنة. قال الزرقاني في شرح الموطأ: و الحديث حسن، بل صحيح.