تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٨٤
نقل أنّه مرّ مع أخ له بقرية، فقال الأخ: هذه القرية موضع جيّد، و مقام حسن. فقال يحيى: أحسن منها قلب فارغ منها، لا يلتفت إليها و إلى أمثالها، و لكن اكتف من الملك بالملك.
نقل أنه دعي إلى دعوة، و أنه كان قليلا، فألحّوا عليه ليأكل، قال: لا نضع من اليد مقرعة الرياضة طرفة عين؛ لأنّ هوى النفس قد اختفى علينا، و ينتظرنا في المرصد، فإن سلّمنا إليه العنان لحظة تورّطنا.
نقل أنه كان عنده في ليل شمع مشعول، فهبّت ريح أطفأته، فصاح يحيى باكيا، و جزع متضرّعا، فقيل: و ما أصابك؟ قال: شمع الإيمان في صدورنا كذلك مضيء، فنخاف من أن تهبّ لنا ريح من رياح الاستغناء و تطفئه.
قيل: الدنيا عنده لا تساوي مع ملك الموت حبة. قال: لو لم يكن ملك الموت لم تساو الدنيا حبة. قيل: و كيف ذلك؟ قال: لأن الموت حبس يوصل الحبيب إلى الحبيب.
و بلغ يوما في قراءته هذه الآية: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ١٢١] قال:
إيمان لحظة لا يعجز عن محو كفر مئتي[١] سنة، فإيمان سبعين سنة كيف يعجز عنه؟!.
أقول: يشير إلى أن الكافر إذا آمن فإيمانه يهدم ما كان قبله من الكفر و المعاصي، و إن كان ذلك الإيمان ساعة و أقلّ، ثم يموت، فالإيمان الأزليّ المستمرّ- رزقنا اللّه تعالى- أولى بذلك. و اللّه أعلم ..
نقل أنه قال: إن قال اللّه تعالى[٢] يوم القيامة لي: يا يحيى، ماذا تريد؟
أقول: يا إلهي و مولاي، أريد أن ترسلني إلى قعر جهنم، و تأمر بأن تضرب لي خيمة من النار، و يوضع سرير، فإذا قعدت على ذلك السرير تأذن لي أن أتنفّس بما وضعت في سرّي ليحترق مالك و جميع خزنة جهنّم مع جهنم، و يصير الكلّ
[١] -في( أ): محو كفره مئتي.
[٢] -في( ب): نقل أنه قال اللّه تعالى.