تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٧٨
يلتفت إليكنّ. ثم اعتذرن إليه ما وقع من التقصير، قال: قلت: إن أنزل الجنة يكون كذلك.
أقول: مراده أنه لا يقنع بالجنّة، و لا يرضى بها؛ بل يطمع في منزلة أعلى من الجنة، و هي المشار إليها بقوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:
٥٥] رزقنا اللّه تعالى بلطفه و كرمه. و اللّه أعلم.
قال ابن الجلاء رحمه اللّه: صحبت ست مئة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة، أوّلهم: أبو تراب النخشبي[١].
و قال: دخل أبو تراب رحمه اللّه مكّة طيّب النفس، فقلت: أين أكلت؟
قال: أكلت بالبصرة، و بالنّباج[٢]، و هاهنا.
نقل أنه كان إذا رأى من أصحابه ما يكرهه زاد في اجتهاده، و جدّد توبته، و يقول: بشؤمي دفع إليه ما دفع، لأنّ اللّه تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١].
و كان رحمه اللّه يقول لأصحابه: من لبس منكم المرقعة فقد سأل، و من قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل، و من قرأ القرآن كما يسمعه الناس فقد سأل.
أقول: يعني إذا فعل هذه الأشياء فقد أبطل توكّله، لأنّ ذلك يوهم أنّه يحتاج له الناس، و مع ذلك يظهر احتياجه للناس، و ذلك خلاف التوكّل. و اللّه أعلم.
نقل أن أبا تراب نظر يوما إلى صوفيّ من تلاميذه مدّ يده إلى قشر بطيخ، و قد طوى ثلاثة أيام، فقال: تمدّ يدك إلى قشر بطيخ! لا يصلح لك التصوّف، الزم السوق.
و قال: بيني و بين اللّه تعالى عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلّا قصرت يداي عنه.
[١] -و الثلاثة الأخرون هم: أبو يحيى الجلاء، و أبو عبيد البسري، و ذو النون المصري. طبقات الشافعية ٢/ ٣٠٧، و انظر طبقات الصوفية ١٤٧.
[٢] -النّباج: موضع على عشر مراحل من البصرة. معجم البلدان.