تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٥٤
فخطر ببالي أنّ عاقبتهم كيف تكون؟ فقال السريّ: ما خطر على بالي أصلا أنّ لي فضلا على مخلوق. قلت: و لا على المخنثين؟ قال: و لا عليهم.
و أيضا قال الجنيد رحمه اللّه: دخلت على السريّ، فوجدته متغيّرا، فسألته عن حاله، قال: جاء إليّ شخص من الجنّ، و سألني عن الحياء، فذكرت جوابه[١]، فصار الجنّيّ ماء كما ترى من الحياء.
نقل أنه كانت له أخت، فطلبت أن تكنس بيته، فما أذن لها، و قال:
لا أضيع الوقت بكنس البيت. فدخلت أخته عليه يوما، و رأت عجوزة تكنس بيته، فقالت أخته: يا أخي، ما تركتني أكنس البيت، و جاءت أجنبية تكنسه؟
قال السريّ: يا أختي، لا يشتغل قلبك؛ فإنّ هذه العجوزة هي الدنيا، و هي قد احترقت من محبّتي و عشقي، و صارت عنّي محرومة، فطلبت من اللّه تعالى أن يكون لها نصيب منّي، فأعطاها اللّه تعالى مكنسة تكنس بها بيتي، و تقنع بهذا القدر.
أقول: إن اللّه تبارك و تعالى قادر على جميع الممكنات، فاعل بالاختيار، يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، و حينئذ لا غرو و لا بعد في أن يصوّر الدنيا بصورة عجوزة، و بأيّ صورة يريد بحيث يراها الإنسان، و يؤيّده ما روي أن عيسى ٧ رأى الدنيا في صورة عجوزة مخضوبة اليدين و الرّجلين. فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا الدنيا. فقال عيسى ٧: أبكر أنت، أم ثيّب؟
قالت: بل بكر. قال عيسى ٧: كيف ذاك؟ قالت: لأنّ الرّجال لم يلتفتوا إليّ و ما حالفوني[٢]، و الذي يعشقني و يخاطبني عنّين لا رجولية له، فلذلك بقيت بكرا. قال عيسى ٧: و ما هذا الخضاب على يديك و رجليك؟ قالت: من عشقني و ابتلي بي قتلتهم، و خضّبت بدمائهم يديّ و رجليّ كما ترى.
[١] -في( أ): فتفكرت جوابه.
[٢] -في الأصلين: و ما خالفوني، و أثبتّ ما يناسب المعنى، أو العبارة: و خالفوني. بحذف( ما).