تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣٢٨
عليه عشرين سنة، و قال: أوصلت إلى سبعين يوما، و ربّما كنت أقنع في أربعين يوما و ليلة بلوزة واحدة، و قال: جرّبت نفسي مدّة، كان ضعفي من الجوع، و قوّتي من الشبع، ثم مضى عليّ زمان رأيت ضعفي في الشبع، و قوّتي في الجوع.
نقل أنه كان قد كتب على أوراق جميع ما كان له من النقد و الجنس و العقار و الضياع و الصامت و الناطق، ثم جمع الناس، و نثر عليهم أوراقا، فمن أخذ ورقة، أعطاه ما كان مكتوبا فيها خاصّة، و كان يقبّل على رؤوسهم، و فرح بأنهم قبلوا منه ما كان له من الدنيا[١].
و توجّه إلى الحجاز، و قال لنفسه: يا نفسي، الآن إنّي مفلس من أسباب الدنيا، فلا تطلبي منّي شيئا، إذ لا تجدينه، فشارطت النفس معه أن لا تطلب منه شيئا، فلمّا وصل إلى الكوفة، قالت النفس: إلى اليوم ما طلبت منك شيئا، فناولني هنا شيئا من الخبز و السمك آكله، و لا أتعبك قطّ إلى مكة. فدخل الكوفة و رأى جرّاشا يجرش بالبغل، سأله و قال: بكم تكتري هذا البغل كلّ يوم؟ قال: بدرهمين. قال الشيخ: خلّ البغل، و اشددني في مكانه بدرهم.
ففعل، و أعطاه درهما إلى المساء، فأخذ الشيخ بعد انقضاء العمل الدرهم، و دخل السوق، و اشترى الخبز و السمك، و وضع بين يديه، و قال: يا نفس، إذا طلبت منّي شيئا تشتهين، فأستعملك بأعمال البهائم من الصباح إلى المساء. ثم دخل البادية، و قطعها إلى أن وصل إلى مكّة حرسها اللّه تعالى، و أدرك هناك كثيرا من المشايخ، و صحب ذا النون رحمه اللّه، ثم عاد إلى تستر
قيل: ما أسند ظهره إلى جدار، و لا جمع رجليه تحته كما يفعله أصحاب الدنيا و أرباب الترفة، و ما صعد منبرا، و ما سألوا منه من المسائل لم يجب، و قد شدّ أصبع رجله أربعين[٢] شهرا، فسألوا منه، فما أجاب، حتى ألحّوا عليه
[١] -في( أ): ما كان له من الدنانير.
[٢] -فوق كلمة( أربعين) كتب في( أ): أربعة أشهر.