تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٣١٨
خذ حقّك، و لا تأخذ أكثر منه و إلّا تيبس يدك. فشرع الرجل يلتقط الدنانير، حتى أخذ تمام حقّه، ثم طمع و مدّ يده ليأخذ زيادة على حقّه، فيبست يده في الحال، فشهق، و وقع بين يدي الشيخ، و تاب
نقل أن حاتما رحمه اللّه دعي إلى دعوة، فقال: ليس لي عادة المشي[١] إلى الضيافات. فألحّوا عليه و بالغوا، قال: قبلت أن أجيء معكم؛ لكن أشترط شروطا ثلاثة: الأول أن أجلس في أيّ مكان يعجبني، ثم أن آكل ما يعجبني، و على قدر ما يعجبني. فقبل الداعي، و ذهب الشيخ معه، و جلس في صفّ النعال، قالوا: ليس هذا موضع جلوسك! قال: شرطت أن أجلس موضعا أريد. فلمّا وضعوا السفرة، أخرج قرصا من الشعير من كمّه، و شرع يأكل، فقالوا: يا شيخ، اطعم شيئا من طعامنا. قال: هكذا شرطنا. ثم قال: حمّ هذه الأثفية[٢] على النار، وضعها في المعبر. فقام الشيخ و وضع رجله حافية على الأثفية، و قال: أكلت قرصا من الشعير، و عبر، ثم[٣] قال: أنتم تعترفون بالقيامة و النار و الصراط؟ قالوا: نعم. قال اعتبروها الصراط بهذه الأثفية، و الأعمال الصادرة عنكم في الدنيا بما أكلتم في هذه الضيافة، فليضع كلّ منكم قدمه على الأثفية المحميّة، و ليذكر ما أكل و عمل في الضيافة. قالوا: و لا طاقة لنا بهذا يا شيخ. قال: فكيف تكون أحوالكم في القيامة؟ و أنتم تسألون عمّا أكلتم و عملتم و شربتم و لبستم، كما قال اللّه تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨] فبكى أهل الضيافة حتى تنغّصت[٤] عليهم الدعوة و النعمة.
نقل أنه جاء إليه رجل و قال: يا شيخ، إنّ لي مالا كثيرا، و أريد أن أصرفه عليك و على أصحابك. فقال الشيخ: إن اتّفق موتك قبل موتي، فأحتاج أن أقول حينئذ: يا رازق من في السموات و من في الأرض، مات هذا الرجل الذي
[١] -في( ب): فقال: ليس لي دعوة، فقال: ليس لي عادة المشي.
[٢] -الأثفية و الأثفيّة: أحد أحجار ثلاثة توضع عليها القدر.
[٣] -في( ب): و عبرتم، ثم قال.
[٤] في حاشية( أ): و في نسخة: تنقّضت.