تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٩٢
الدار، و طلبت شيئا أقدّمه إليه، و كان في البيت شيء من طعام حمل إليّ من عرس قوم، فقدّمت إليه، فأخذ لقمة، فأدارها في فمه مرّات، ثم إنه قام و ألقاها في الدهليز و مرّ، فرأيته بعد ذلك بأيام، و سألته عن ذلك، قال: إنّي كنت جائعا، و أردت أن أسرّك بأكلي، و أحفظ قلبك؛ و لكن بيني و بين اللّه علامة أن لا يسوّغني طعاما فيه شبهة، فلم يمكّنني ابتلاعه، فمن أين كان ذلك الطعام؟
قلت: إنه حمل إليّ من دار قريب لي من العرس، ثم قلت: تدخل اليوم؟ قال:
نعم. فقدّمت إليه كسرة كانت لنا، فأكل، و قال: إذا قدّمت إلى فقير شيئا، فقدّم مثل هذا.
نقل أنه كان في المحاسبة مع النفس جدّ عظيم، و لذا سمّي محاسبيّا.
و قال: لأهل المحاسبة عشر خصال: الأولى: أن لا يحلف باللّه لا صدقا و لا كذبا، و لا سهوا و لا عمدا. الثانية: الاحتراز عن الكذب. الثالثة: ترك خلاف الوعد، فإن قدرت على الوفاء لا تخالف، و إن لم تقدر عليه لا تعد.
الرابعة: ترك اللعن و إن كان على ظالم. الخامسة: ترك الدّعاء على أحد أساء إليك قولا أو فعلا، و لا تريد مجازاته؛ بل تتحمّل عنه للّه تعالى. السادسة: ترك الشهادة على الناس بكفر أو بشرك أو نفاق، فإنه من الرحمة و الشفقة عليهم، و سبب للبعد عن مقت اللّه تعالى. السابعة: ترك قصد المعصية ظاهرا و باطنا.
الثامنة: رفع تعبك و تشويشك عن الناس قليلا أو كثيرا. التاسعة: قطع الطمع عن الخلق، و اليأس عن الجميع. العاشرة: أن لا ترى لنفسك فضلا على أحد، و لا تعتقد أنك خير من أحد، إذ العاقبة غير معلومة، فإن كنت من أهل السعادة عسى أن تتوجّه الشقاوة و العياذ باللّه، و إن كنت من أهل الشقاوة تحتمل أن تصير سعيدا في الأخرى، كما قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ [الحجرات: ١١].
قال ذو النون: لا تنظر على أحد بالحقارة، و انظر إلى عاقبة أمره، إذ يمكن أن يرفع هو و تخفض أنت.