تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٨٤
يا أبا سليمان، أمّا الآداب فقد أحكمناها. فقال له داود: فأيّ شيء بقي؟ قال العمل. قال داود: فنازعتني نفسي إلى العزلة، فقلت لنفسي: جالسيهم و لا تتكلّمي في مسألة، فجالستهم سنة، و كانت المسألة تمرّ بي، و أنا إلى الكلام فيها أشدّ نزاعا من العطشان إلى الماء الزّلال، و لا أتكلّم به، ثم صار أمر حالي إلى ما صار، و قال: بصبري في سنة حصل لي عمل ثلاثين سنة[١]، و اللّه أعلم.
ثم وصل إلى حبيب الراعي، و فتوحه في الطريقة حصلت منه، و دخل الطريق برجوليّة تامّة، و رمى جميع كتبه في الماء، و اختار الخلوة و العزلة، و قطع الرجاء بالكلّية عن الخلق.
و كان له عشرون دينارا وصل إليه من ميراث، فتقوّت به عشرين سنة، حتى قال له بعض المشايخ: من الطريقة الإيثار لا الاختيار. قال: ليس هذا بمال يعدّ ذخيرة، و لكن هو سبب لفراغ قلبي، و أتقوّت به إلى يوم موتي.
و كان رحمه اللّه مشغولا بعمل الآخرة، و لم يسترح من العمل إلى اليوم الآخر من عمره.
و كان ينقع الخبز بالماء، و يأكل و يقول: إلى أن يمضغ الخبز يمكن أن يقرأ خمسين آية من كلام اللّه تعالى، فلا ينبغي أن يضيّع العمر في أكل الخبز و مضغه.
قال أبو بكر بن عياش[٢]: دخلت حجرة داود، ألفيته يبكي، و بيده كسرة خبز، قلت: و ما بك يا داود؟ قال: أريد أن آكل هذه[٣] الكسيرة من الخبز، و لا أدري أنه حلال أم حرام؟
و قال آخر: دخلت حجرة داود، رأيت جرّة مملوءة من الماء، ضربت عليها الشمس، قلت: لم لا ترفعها، و لا تحولّها من مكانها؟ قال: وضعتها هناك،
[١] -الرسالة القشيرية ٥١.
[٢] -في( ب): أبو بكر العياش.
[٣] -في( ب): يبكي و بيده الكسيرة. و ما بينهما مستدرك من( أ).