تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٤٨
و لكنّ الورود على اللّه صعب[١]، و القدوم عليه شديد، ليت هذا السفر يحصل لنا بعصا و كوز ماء. و لذا كان إذا ذكر الموت، أو سمع ذكره يغشى عليه أياما، و يقول لمن يلتقي به: استعدّ للموت قبل نزوله. و أصحابه كانوا يقولون له وقت وفاته: طوبى لك. و هو يهزّ رأسه، و يقول: أين أنتم؟ و ماذا تقولون؟ أنا! متى أصل إلى الجنة؟ و هي! متى تصل إلي؟
أقول: مراده تحقير أعماله، و أنّها ما صدرت عنه على وجه تكون مقبولة عند اللّه تعالى، و استعظامه أيضا أمور الآخرة و أحوالها، لا أنّه كان آيسا من رحمة اللّه تعالى، فحاشاه من ذلك، فإن قلت: أليس يستحبّ حينئذ حسن الظنّ باللّه تعالى؟ قلت: نعم، و لكنّ هذا لا يدلّ على أنه في نفسه لم يكن حسن الظنّ به، غايته أن الخوف كان غالبا عليه، و هذا من كمال الإيمان باللّه و صفاته، فإنّ من يكون عرف أنّه باللّه و باليوم الآخر أكثر، فهو أخوف و أفزع، و اللّه أعلم.
روي أن الخليفة قصد أن يولّيه إمارة البصرة، فطلبوه لأجل ذلك، فوجدوه في إصطبل، لما كان به من علّة البطن، و مع ذلك ما ترك العبادة، و لم يسترح، حتى قيل إنه في ذلك المرض توضّأ في ليلة ستين نوبة، كلّما كان يتوضّأ و يريد أن يشتغل بالعبادة بطنه يتقاضاه و يحتاج إلى الوضوء.
قيل له: يا شيخ، كم تتوضّأ، و أنت ضعيف؟! قال: لأن يلقاني عزرائيل و أكون على الوضوء متطهّرا لا نجسا، إذ مع النجاسة لا يكون التوجّه إلى اللّه تعالى ميمونا.
قال عبد اللّه بن المهدي: أوصاني سفيان و قال: إذا دفنتموني أرجو منكم أن تضعوا خدّي على التراب؛ لعلّ اللّه يرحم ذلّي و فقري. ثم قال: الآن حطّوا وجهي على التراب؛ فإنّ أجلي قريب.
قال الراوي: فعلت ما رسم، و خرجت لأعلم الناس و الأصحاب، وجدتهم اجتمعوا و التأموا هناك، قلت: من أخبركم بالحال؟ قالوا: كنّا نياما، فرأينا في
[١] -في( أ): و لكن المرور على اللّه صعب.