تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٤
كما نقل عن أبي عليّ الأسود أنه يقول: ما لي أمنية إلّا [أن] أسمع حديثا من أحاديث الحبيب، أو أرى أحدا من أهله
أقول: و نعم ما قال ذلك العاشق الهائم، و الصبّ التائه في بيداء الهوى، المبتلى بضرّ النوى، حيث قرب من قصر مهويّته، و لم يجد إليها طريقا، أو كان في يمّ الاشتياق غريقا، و بنار الفراق حريقا، و ازداد التياعه و شوقه، و لذا قيل:
|
و أبرح ما يكون الشّوق يوما |
إذا دنت الخيام من الخيام[١] |
|
مخاطبا للحمامة التي تراها المهوية، و تسمع صوتها بهذا الشعر:
|
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي |
فأنت بمرأى من سعاد و مسمع[٢] |
|
أي: اسجعي و لا تشتكي، فأنت بموضع تراك سعاد، و تسمع صوتك، و أنا أراك و أسمع صوتك، و أقنع من الحبيبة بهذا القدر من القرب.
الجرعا: تأنيث الأجرع، قصرها للضرورة، و هي أرض ذات رمل.
و الحومة: معظم الشيء.
و الجندل: أرض ذات حجارة.
خاطب حمامة هي في أرض ذات رمل، في أرض ذات حجارة، و اللّه أعلم.
ثم قال أبو علي الأسود رحمه اللّه: أنا رجل أمّيّ، لا أحسن أن أكتب و لا أقرأ، فأريد من يخبرني عنه- أي من الحبيب- لأسمع، أو أخبر أنا و هو يسمع، فإنّي بريء من جنّة لا يتعاطى فيها كلام الحبيب و الحديث عنه.
و الباعث الآخر: ما سئل عن الإمام أبي يوسف الهمذاني رحمه اللّه:
ما تقول إذا لم تر من هذه الطائفة أحدا لتواريهم في التراب، ففيما ذا تكون
[١] -بيت ذكره ابن أبي حجلة في كتابه ديوان الصبابة ٢٤ من غير عزو، و فيه: و أعظم ما يكون العشق.
[٢] -بيت لابن بابك، ذكره ابن الأثير في المثل السائر ١/ ١٤٠٧، و العباسي في معاهد التنصيص ١/ ٥٩.