تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢٢٠
البين، فسكتّ مدّة بلا آلة و عدّة، فالحقّ جلّ جلاله رحمني، و علّمني من علوم الأزل، و وضع في فمي لسانا من لطفه، و خلق لي عينا من نوره، فرأيت بالحقّ جميع الموجودات، و ناجيت اللّه تعالى بلسان اللّطف، و حصل لي علم من علوم الحقّ، فنظرت إليه بنوره، ثم قلت: إلهي، لا أغترّ بهذا و بوجودي، لا أستغني عن وجودك، و أنت تكون لي بلا أنا خير لي من أن أكون لي بلا أنت، و أتكلّم بك معك خير من أن أتكلّم مع نفسي بلاك. فقال: لازم الشريعة، و لا تجاوز حدود الأمر و النهي؛ لئلا يضيع لدينا سعيك، و تصير مشكورا عندنا. قلت: إن شكرتني منك لا منّي، و إن ذممتني فأنت منزّه عن العيوب، فحين نظر الحقّ جل جلاله صفاء سرّي، و سمع قلبي نداء رضا الحقّ، و رقم عليّ بقلم الرضا، و نوّرني، و عبّرني عن ظلمات النفس و كدورات البشرية، علمت أنّ حياتي به، و من فضله بساط المسرّة في قلبي، فقال: سل ما تريد.
قلت: ما أريد إلّا إيّاك، فأنت أفضل من الفضل، و أكبر من الأكبر، و أكرم من الكرم، و قنعت بك منك، إذا أنت كنت لي فأنا أطوي منشور الفضل و الكرم، لا تبعدني منك، و لا تعطني ما دونك. فلم يجبني زمانا، ثم وضع على رأسي تاج الكرامة، و قال: لا تقل إلّا الحقّ؛ لأنّك تطلب حقيقتي، و رأيت الحقّ و سمعت الحقّ. قلت: إن رأيت فبك رأيت، و إن سمعت فبك سمعت، و أثنيت عليه حتى أعطاني من كبريائه جناحا أطير به في ميادين عزّه، و أنظر إلى عجائب صنعه.
ثم قال لي: لمن الملك؟ قلت: لك. قال: لمن الحكم؟ قلت: لك. قال:
لمن الاختيار؟ قلت: لك. و لمّا ألقيت نفسي مع ضعفي في كلّ واد، و أذبت جسدي بنار العبرة في كلّ بوتقة، و أجريت خيل الطلب في فضاء كلّ صحراء، ما رأيت صيدا خيرا من الافتقار، و لا شيئا أحسن في هذا الطريق من العجز، و لا أضوأ من السكوت سراجا، و لا كلاما أنفع من ترك الكلام، فسكنت دار السكوت، و لبست خرقة الصبر حتى وصلت إلى مقام صار ظاهري و باطني خاليا من علّة البشرية، ففتح في صدري فرجة من الفرح، و أعطاني لسانا من