تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ٢١١
و لا يحسّ بهم في جنب معرفة اللّه تعالى، و لا يظنّهم موجودا مع وجود اللّه تعالى، و لا يحسّ بدخولهم و خروجهم، و إن كان على خلاف ذلك يكون مدّعيا لا عارفا.
إن ظهر المعروف للعارف، و العلم للعالم، يقول العارف: هو، و يقول العالم: أنا
أقول: معنى هذا الكلام أنّ العارف إذا غرق في بحر المعرفة، و هلك بنفي ذاته، و يثبت ذات الحقّ، و ينظر إليه تعالى لا إلى نفسه، إذ لا يبقى له حينئذ وجود، و ذلك كما إذا أشرقت الشمس لا يبقى للكوكب نور و لا ضياء و لا وجود في الحسّ، فحينئذ يقول: هو لا أنا؛ و أمّا العالم فهو الذي لم يبلغ إلى هذا المقام، و له نظر إلى نفسه، و يرى وجود نفسه، فلذلك يقول: أنا. فالأول في المحو، و الثاني في الإثبات، و اللّه أعلم.
قال: لا خطر و لا قدر للجنة عند أهل المحبة، و هم في النوم و اليقظة مشغولون بالطلب، و لا يفترون منه طرفة عين، و مع هذا لهم فراغة عن الطلب أيضا، و ذلك لغلبة المشاهدة عليهم، فإنّ في مقام المشاهدة إن نظر العاشق إلى طلبه يكون خسرانا عظيما؛ بل يجب أن يكون نظره في تلك الحالة إلى جمال معشوقه.
قال: إن اللّه تعالى اطّلع على قلوب أوليائه، علم أنّ بعضها لا يطيق حمل المعرفة، فجعله مشغولا بالعبادة، و ما كلّفه لحمالة المعرفة.
لا يحمل أحمال الحقّ إلّا من ذلّل نفسه بالمجاهدة و الرياضة.
ليت الناس يعرفون أنفسهم، فإن ذلك يكفيهم.
قال: اجتهد أن تجعل لك ساعة[١] في جميع عمرك لا ترى فيها غير اللّه تعالى، ثم اجتهد أن يمضي عمرك كلّه بهذه الصفة.
[١] -في( ب): أن يحصل لك ساعة.