تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٧
عنهم بجميل الخلق، و ابتداؤه بطلب الإحسان من اللّه إليهم، من غير التماس منهم، و تعليق الهمّة بنجاتهم، و ترك الانتقام منهم، و التوقّي من استثار حقد عليهم، و قصر اليد عن أموالهم، و ترك الطّمع بكلّ وجه فيهم، و إمساك اللّسان بالسّوء عنهم، و غضّ البصر عن شهود مساوئهم، و لا يكون خصيما لأحد في الدنيا و لا في الآخرة:
|
فاسمع بأذنك حال القوم تعرفهم |
و اسلك طريقهم تسلم كما سلموا |
|
و أما اليوم فترى هذه الحديقة بستانا يبست أشجارها، و انتثرت أزهارها، و اندرست آثارها، و لا ترى أحدا من الشيوخ المهتدين، و لا شبان الذين كانوا بهم مقتدين، فغلّق باب الورع و طوي بساطه، و انفتح طريق الفساد و اشتدّ رباطه، ظهرت ناس تركوا آداب الشريعة، و جعلوا الإباحة و الشيطنة لهم ذريعة، لا يميّزون بين الحلال و الحرام، و لا يبالون بترك الصلاة و الصيام، تراكمت غفلاتهم، و توالت شهواتهم، يباهون باعتقاد الجهلة فيهم و النسوان، و يزيّنون لهم ما يزيّن لهم الشيطان، و مع ذلك دعوتهم أنّهم بلغوا من الولاية إلى ذراها، و سلكوا هذه الطريقة إلى أعلاها، و الحال أنّهم لم يسمعوا من الولاية إلّا الاسم، بل ربّما لم يسمعوا الاسم أيضا و لا شاهدوا الرسم، و الذي يقضي منهم العجب حال من يدّعي العقل و الإدراك، ثم يعتقدهم؛ بل يحبّهم حتى يأتيه فيه و يتحسّر عليهم، و يصير مبذّرا بسببهم، و هو غافل عن قوله تعالى إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء: ٢٧].
قال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «فإيّاكم و إيّاهم أن تضلّوا و أن تفتنوا» أعاذنا اللّه من غضبه و قهره، و من عمل الشيطان و مكره، فهو حسبنا و نعم الوكيل.
***