تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦٩
موافق أم مخالف؟ قال: بل موافق. قال ذو النون: فلم هذه المحبة؟ قال الأعرابي: ألم تعلم بأنّ الموافقة و القرب أصعب و أشدّ من البعد و المخالفة ألف مرة!
نقل أنه قال: سألت في بعض أسفاري امرأة عن غاية المحبّة، فقالت:
يا بطّال، هل للجنّة غاية؟ قلت: و ما معنى هذا الكلام؟ قالت: لأنّ لطف المحبوب لا غاية له.
قيل: إنّه كان مريضا، فعاده شخص، و قال له: ألم الحبيب طيّب. فتغيّر ذو النون من ذلك، و قال: لو عرفته لما ذكرته بهذه السهولة.
نقل أنه كتب إلى بعض إخوانه: سترنا اللّه و إيّاك بستر الجهل[١]، و جعلنا و إيّاك في ذلك الستر شغولا[٢] بتحصيل مرضاته، إذ له كثير من الأولياء في زيّ الأعداء.
أقول: و فائدته أن تكون مستورا من الأغيار، محفوظا من الاشتهار؛ فإنّ الشهرة سبب للعجب، روي عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال: الخمولة نعمة، و كلّ يتوقّاها، و الشهرة آفة و كلّ يتولّاها [و اللّه أعلم].
نقل أنه قال: كنت سائرا في بعض الأسفار، و كان في يوم من أيام الشتاء، فوافيت شخصا مجوسيّا مغطي على رأسه بغطاء للبرد، و هو يدور على الثلج، و يفرّق الأرزن، قلت له: ماذا تفعل يا فلاح؟ قال: الطيور في مثل هذا اليوم لا تجد حبّات تلتقطها، و إنّي أزرع لهم هذا البذر، لعلّه ينبت، و أنتفع به يوما، و يرحمني اللّه بسببه. قلت: أنت أجنبيّ، و البذر الذي يزرعه الأجنبيّ لا ينبت و لا يستغلّ منه. قال: فإن لم يقبل منّي، فإنه يراني و يرى ما أصنع؟ قلت:
نعم. قال: حسبي هذا. قال ذو النون: ذهبت إلى مكّة شرّفها اللّه تعالى حاجّا، فرأيت ذلك المجوسيّ عاشقا هائما في الطواف، فلمّا رآني قال لي: يا أبا
[١] -في( أ): بستر الجميل.
[٢] -في ب: مشغولا.