تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦٥
نقل أنه دخل عليه أصحابه يوما، رأوه يبكي، فقالوا: و ما يبكيك يا شيخ؟
قال: نعست عيني في السحور[١]، فرأيت اللّه تعالى في النوم، قال لي: يا أبا الفيض، خلقت الخلق على عشرة أجزاء، فعرضت عليهم الدنيا، فتوجّه إلى الدنيا تسعة أجزاء منها، ثم قسمت الجزء الباقي عشرة أجزاء، و عرضت الجنّة عليهم، فمال إليها تسعة أجزاء منها، ثم بقي جزء واحد، فجزّأت هذا الجزء عشرة أجزاء، و عرضت النار عليهم، فهربت تسعة أجزاء من النار، و بقي جزء واحد، فإنّهم لم ينخدعوا بالدنيا، و ما اغترّوا بها، و لا مالوا إلى الجنّة، و لا هربوا من النار، فقلت: ماذا تطلبون؟ فرفعوا رؤسهم و قالوا: أنت تعلم ما نريد يا ربّنا.
و نقل أنه جاء إليه صبيّ، و قال: ورثت مئة ألف دينار، أريد أن أصرفها في صحبتك. قال الشيخ: بلغت الحلم؟ قال: لا. قال: فلا آذن[٢] حتى تبلغ؛ فإنّه لا يجوز لك الآن أن تتصرّف في مالك. فلمّا بلغ جاء إليه، و تاب على يده، و صرف المال كلّه في مجلسه إلى أن ظهر لبعض المريدين يوما حاجة، و لم يكن لهم دينار يصرفونه فيها، فقال الصبيّ صاحب المال: يا ليت لي مئة ألف دينار أخرى لأصرفها على هؤلاء الفقراء. فسمع ذو النون هذا الكلام من الصبيّ، فقال: هو ما وصل بعد إلى حقيقة الأمر، و للمال عنده اعتبار. فدعاه، و قال له: اذهب إلى العطار الفلاني، و قل له منّي أن يعطيك بثلاثة دراهم نسيئة الأدوية الفلانية. فجاء بها، فأمره أن يدقّها في الهاون و يخمّرها بدهن، و يجعلها ثلاث حبات، ففعل، و أشار إليه أن يثقبها بإبرة، فامتثل الأمر، و جاء بالحبّات إلى الشيخ، فأخذ الشيخ بيده، و نفخ فيها، فصارت ثلاث قطع من الياقوت، ما رأى مثلها أحد، ثم قال: اذهب بها إلى السوق، و ثمّنها، و لا تبع، و أت بها. فذهب، و جاء و أخبر: أنّ أهل الخبرة قوّموا كلّا منها بألف
[١] -في( أ): عيني في السجود.
[٢] -في( أ): فلا إذن.