تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٦٢
أما علمت أنّ من اختلط مع الناس لا يقدر على أن يحترز عن شيء، إذ الاختلاط مع الناس رأس كلّ خطيئة. فقلت: بلغ زهدك إلى غاية الحدّ و نهايته. قال: تريد أن ترى زاهدا؟ قلت: نعم. قال: اطلع الجبل. فلمّا طلعته رأيت شابّا في صومعة، و قد قطع إحدى رجليه، و رماها خارج الصومعة، و وقعت فيها الدّود تأكلها، تقدّمت إليه، و سلّمت عليه، و سألت عن الحال، قال: كنت جالسا في هذه الصومعة، إذ مرّت امرأة بحذاء صومعتي، فمال إليها فؤادي، و تقاضاني قلبي أن أذهب خلفها، فلمّا وضعت إحدى رجليّ خارج الصومعة، سمعت: أنّك لا تستحي، بعد أن عبدت اللّه تعالى ثلاثين سنة، اليوم تقصد إطاعة الشيطان، و فعل الفاحشة. فقطعت تلك الرّجل الخارجة في الحال، و أنا جالس منتظرا ما يصيبني، و ماذا يصنع بي، ثم أنت لم جئت إلى المذنبين؟ و تقرّبت إليهم؟ فإن أردت الالتقاء بشخص من الرجال اصعد قلّة[١] هذا الجبل. قال ذو النون: كان الجبل عاليا، و ما تيسّر لي الصعود، و استخبرت من أحواله، قالوا[٢]: شخص هناك مشغول بالعبادة من زمان، و وقع في قلبه شيء، فتولّه في عبادة اللّه تعالى، حتى أنّ رجلا كان يناظره في اليوم الثاني: أن الرزق، سبب الكسب أم لا؟ فنذر أن لا يطعم شيئا حصل بكسب الإنسان، و مضى عليه أيام، و ما أكل شيئا، حتى أن أرسل اللّه تعالى طائفة من النحل، كانت تطوف حوله، و تطعمه العسل. قال ذو النون: حصل في قلبي من هذا شيء عظيم، و صار حزن لي عشرة أمثاله، و علمت أن من يتوكّل على اللّه فهو حسبه و يكفيه و لا يضيّع عمله.
ثم كنت سائرا في طريق، إذ رأيت طائرا فاقد البصر، قاعدا على غصن شجرة، فتعجّبت من حاله أنه ماذا يأكل؟ و كيف يتعيّش؟ كنت متفكّرا في أمره، إذ نزل من الغصن[٣]، و وقع على الأرض، و نبش، فطلع قصعتان: إحداهما من الذهب و فيها السّمسم، و الأخرى من الفضة و فيها ماء الورد، التقط الطائر من
[١] -قلّة الجبل: أعلى الجبل.
[٢] -في( ب): قال شخص.
[٣] -في( أ): إذ فرّ من أن، و وقع على الأرض.