تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٥٥
شخص منهم: يا أبا نصر، أنت لا تقبل من الناس شيئا، و هذا أيضا من الجاه، فإن كنت محقّقا في هذا الزهد فاقبل منهم حتى لا يبقى لك في أعينهم مهابة، و لا عندهم حشمة و وقار، و ما تأخذه منهم فاصرفه في الفقراء و المساكين، و أنت على توكّلك يصل إليك رزقك من الغيب. فعظم هذا الكلام على الحاضرين، فقال بشر: اسمعوا الجواب؛ إنّ الفقراء على ثلاثة أقسام:
قسم: لا يسألون الناس، و لا يقبلون منهم، و إن أعطوا، و هذا القوم هم الروحانيون، الذين إن سألوا اللّه أعطاهم، و إن أقسموا على اللّه لأبرّهم.
و قسم آخر منهم: لا يسألون أحدا، و لكن لا يردّون ما يعطيهم الناس، و هم المتوسّطون، الذين يسكنون على التوكّل على اللّه تعالى، و هم الذين يقعدون على موائد الخلد في حظائر القدس، و هم يحفظون أوقاتهم ما يقدرون.
و قسم آخر منهم: يصبرون، و يدفعون عن أنفسهم الدواعي، و يغتنمون نفائس الأوقات.
فلمّا سمع ذلك السائل هذا الجواب، قال: رضيت بهذا الكلام، رضي اللّه عنك.
قال بشر: وصلت إلى عليّ الجرجاني رحمه اللّه عند عين ماء، فلمّا رآني قال: و ما ذنبي اليوم ألتقي بإنسان؟! و هرب، فسعيت خلفه[١] و وراءه، و قلت:
وصّني. فقال: لازم الفقر، و عش بالصبر، و خالف الهوى و الشهوة، و اجعل اليوم بيتك أخلى من القبر حتى إذا وضعت في القبر تكون مرفّها، و تصل إلى اللّه تعالى بسهولة.
نقل أنه جاء إليه طائفة من الشام، و قالوا: نريد الحجّ، فهل لك رغبة في أن توافقنا و ترافقنا؟ قال: نعم، بثلاثة شروط: أن لا نحمل معنا شيئا، و أن لا نسأل شيئا من أحد، و أن لا نقبل من أحد شيئا. قالوا: أما أنه لا نحمل
[١] -من قوله:( فلما رآني .. خلفه) ليست في( ب).