تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٤٠
بعض الأيام: و هو يتعوّق[١]، نحن نتعشّى و لا نترك له شيئا؛ حتى يجيء بعد اليوم بالعجلة و لا يتأخّر. فتعشّوا، و ما أبقوا له شيئا، فلمّا جاء صادف أصحابه نياما، توهّم أنهم ما طعموا شيئا، و كان معه قليل من الطحين، فأشعل نارا، و أراد أن يطبخ لهم شيئا يطعمونه ليكون لهم قوّة على الصوم، فانتبهوا و رأوه مشغولا بإشعال النار، و عيناه دامعة، و هو ينفخ و يتعب نفسه، قالوا: ماذا تعمل يا شيخ؟ قال: أطبخ لكم طعاما تأكلونه. فقالوا: سبحان اللّه، نحن ماذا فعلنا معه حيث أكلنا، و لم نبق له، و هو ماذا يفعل معنا!؟
نقل أنّ من أراد الصحبة معه، كان يشترط عليه أمورا ثلاثة، الأول يخدمه هو لا الرفيق، و أن يكون المؤذن هو، و إن حصل له شيء يكون بينهما.
نقل أن شخصا ذا عيال كان يذهب إلى بيته مساء، و لم يحصل له شيء ينفق عليه و على أهله و عياله، و كان مغموما محزونا، فمرّ في طريقه بإبراهيم رحمه اللّه، فالتقاه فارغ الخاطر، رخيّ البال، فقال له ذلك الشخص: طوبى لك يا إبراهيم، إذ ليس لك همّ و لا حزن. فقال إبراهيم: ما عملت من الطاعات و العبادات و الحجّ أعطيك و أعطني أنت مالك من الحزن.
و نقل أنّه صاحبه شخص مدّة، ثم عند الارتحال قال له: يا شيخ، أخبرني بما رأيت فيّ من العيب. قال له الشيخ: ما رأيت فيك شيئا من العيب؛ لأنّي نظرت فيك بنظر الصداقة لا بنظر العداوة، فما وجدت فيك عيبا؛ بل ما رأيت منك أعجبني كلّه.
سأل منه المعتصم: يا شيخ، هل تعرف صنعة؟ قال: نعم، تركت الدنيا لطالبها، و العقبى لطالب العقبى، و اخترت في الدّنيا ذكر اللّه تعالى، و في الآخرة لقاءه.
و سأل منه آخر عن صنعته، قال: ألا تعرف أن من يعمل للّه تعالى لا يحتاج إلى صنعة.
[١] -و هو يتعوّق: و هو يتأخّر.