تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٣٨
و قال: لا يبلغ أحد نهاية صفات الرجال بالصلاة و الصيام و الجهاد و الحجّ، و لكن يبلغ بأن يريق في حلقه الحلال.
قيل له: هنا شابّ صاحب وجد، و له حالة عظيمة، و رياضة كثيرة. قال:
اذهبوا بي إليه لأستكشف عن أحواله. فذهب إليه، و وقف عنده ثلاثة أيام، و راقب أحواله، فكانت أزيد ممّا سمعه و علمه، كان لا ينام بالليل، و لا يستريح لحظة، فحصل لإبراهيم غيرة، لأنه لا ينام لحظة من الليل، و لنا فتور، و لكن قال: استكشف من حاله، هل للشيطان فيه مدخل أم لا، أم كلّها إخلاص؟
فتفحّص من أساس هذا الشأن، و هو اللّقمة، فوجدها من الحلال، قال:
سبحان اللّه، هذا ليس من الشيطان. ثم قال له الشيخ: يا فتى، كنت ضيفك ثلاثة أيام، أنت أيضا شرّفنا[١] أياما. و أتى به إلى منزله، و أطعمه من طعامه الذي يطعم، فقلّت حالاته و شوقه، و لم يبق من عشقه أثر، و زالت حرارته و حدّته و سهره و بكاؤه، فقال لإبراهيم: ما صنعت معي؟ قال إبراهيم رضي اللّه عنه: طعامك ما كان من وجه حلال، و الشيطان كان يدخل فيك، و ينزل في جوفك مع الطعام، و كان يريك ما كنت فيه[٢]، و لمّا أكلت الحلال، و استنار باطنك، و ضاق مدخله، هرب منك.
قيل إنه قال لسفيان: إنك محتاج إلى قليل من اليقين، و إن كان لك علم كثير.
و أيضا قال له: من عرف ما يطلبه هان عليه ما يجده.
نقل أنه قال له شقيق البلخي: يا شيخ، لم تفرّ عن الخلق؟ قال: أخذت ديني، و أفرّ من مدينة إلى مدينة، و من جبل إلى جبل، من رآني يظنّ أنّي مجنون أو صاحب وسواس، و لا أفعل ذلك إلّا رجاء أن يسلم إيماني من الشيطان، و أعبر مع الإيمان عن باب الموت.
[١] -في( أ): أنت شرفتنا.
[٢] -في( أ): و كان يريد ما كنت فيه.