تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١٣٤
أن الصبيّ الذي نظرت إليه هو ابني. ففي اليوم الثاني ذهب شخص من أصحابه طالبا لقافلة بلخ، فصادف خيمة من الديباج، و فيها كرسيّ، و ذلك الصبيّ جالس عليه، و حول الخيمة جماعة من مماليكه و غلمانه، و هو مشغول بتلاوة القرآن و يبكي، فاستأذن الدخول عليه، فدخل و سلّم عليه، و قال: من أين أنتم؟
قال الصبيّ: نحن من كورة بلخ. قال له: من أبوك؟ فبكى و طبق المصحف، و قال: ما رأيت أبي إلّا الأمس، و لا أعلم أنّه أبي أم لا، و أخاف أن يفرّ منّا؛ فإنّه هرب منّا من زمان. قال: و ما اسمه؟ قال: إبراهيم بن أدهم بن منصور.
فذهب به الرجل إلى إبراهيم رحمه اللّه، و تبعته أمّه، و كان إبراهيم جالسا مع أصحابه عند الركن اليماني، فرأته امرأته، و فني صبرها، و صاحت و قالت:
يا ولدي، هذا هو أبوك الذي فرّ من أهله و ولده و عياله و سلطنته و ماله. و بكت، و بكى الصبيّ و الناس حتى ظهر فيهم ضجيج، و غشي على ابنه، ثم لمّا أفاق، سلّم على أبيه، فردّ الجواب، و أجلسه في حجره، و قال: على أيّ دين؟ قال:
على دين الإسلام. قال: الحمد للّه. قال: هل قرأت القرآن؟ قال: نعم. قال:
الحمد للّه. قال: هل تعلّمت شيئا من العلم و آداب الإسلام[١]؟ قال: نعم.
قال: الحمد للّه. فأراد إبراهيم أن يفارقهم و يذهب من عندهم، و هو قد أمسك بذيل أبيه، و ما كان يتركه، فنظر إبراهيم إلى السماء، و قال: إلهي، أغثني.
ففي الساعة توفّي ابنه، و هو في حجره، فقيل له: كيف هذا الشأن؟ قال: لمّا أخذته في حجري، و تحرّكت محبّته في قلبي، نودي في سرّي: يا إبراهيم، تدّعي محبّتنا، و تحبّ معنا غيرنا، و توصي أصحابك أن لا ينظروا إلى الصبيان و النساء، و أنت تعلّقت بصبيّ و امرأة! فدعوت اللّه تعالى و قلت: يا ربّ العزة، أغثني، فإن شغلتني محبّته عن محبّتك فأمتني أو أمته، فاستجيب دعائي في حقّه. فإن اعترض على ذلك شخص، فنقول: ليس هذا بأعجب و أغرب من ذبح إبراهيم النبيّ ٧ ولده البارّ الكريم.
[١] -في( أ): من العلم و الأدب و الإسلام.