تذكرة الأولياء عطار نيشابوري (معرب) - اصيلي وسطائي، محمد - الصفحة ١١٥
حتى أن جاء قافلة كبيرة، و أصحاب الفضيل كانوا يترصّدون القافلة و يترقّبونها، فاطّلع شخص من القافلة على أنّ في الطريق قطّاعا، و كان معه بدرة[١] من الدنانير و الدراهم، و قصد أن يسترها في موضع بدفن و غيره، لعلّها تبقى إن وقع نهب، فخرج عن الطريق، فالتقى بخيمة الفضيل، جاء إليها فرأى شخصا[٢] على صورة الزاهدين، فسلّم عليه، و استودعه البدرة، فقال الفضيل:
اذهب بها وضعها في ذلك الجانب من الخيمة. فوضعها هناك، و رجع إلى القافلة، فإذا هي قد نهبت، و أخذ ما كان لهم من الأموال و الأمتعة، و رأى أصحابه مشدودين مكتوفين، فذهب إليهم، و حلّهم، فقاموا و جمعوا ما بقي لهم و مشوا، جاء صاحب البدرة إلى الخيمة ليطلب حقّه، فرأى الفضيل مقدّم القطّاع و رئيسهم، و الكلّ بعد النهب اجتمعوا عنده، و جمعوا المال كلّه لديه، و هو يقسمه بينهم، فلمّا رأى الرجل على هذه الحال اغتمّ غمّا شديدا، و تأوّه تأوّها عظيما، و قال: أعطيته بدرة من النقد، و كان مقدمهم و كبيرهم، ضيّعت مالي بيدي. فرآه الفضيل مكروبا مغموما، عرف الحال، و صاحه إليه، و قال:
ما حاجتك؟ قال: أريد أمانتي. قال: هي في مكانها الذي وضعت فيه، خذها و اذهب. فدخل الرجل الخيمة، فإذا هي بعد في ذلك الموضع، فأخذها و ذهب خلف أصحابه من أهل القافلة.
قال أصحاب الفضيل: يا عجبا، ما التقينا نحن في جميع هذه القافلة بدرهم من النقد، و أنت تردّ عليهم بدرة من الدراهم! قال الفضيل: لأنّ هذا الشخص قد أحسن ظنّه بي، و أنا أيضا أحسن الظنّ باللّه؛ لعلّه يرزقني توبة، فصحّحت ظنّه، عسى أن يصحّح اللّه تعالى بكرمه ظنّي.
فبعد هذه القافلة، نهبوا قافلة أخرى، و أخذوا منهم أموالهم، و خرجوا عن الطريق، و اشتغلوا بالطعام، فسأل رجل منهم من القافلة: أين كبيركم؟ قالوا: هو
[١] -البدرة: كيس فيه مقدار من المال كانوا يتعاملون به، و يختلف باختلاف العهود.
[٢] -في( ب) فرأى منها شخصا.