حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦٨١
(و منها أن يدل العقل عليه و العادة على التعيين؛ نحو: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [١]) فإن العقل دل على أن فيه حذفا؛ ...
و إن كان مجازا لم يحتج للدليل العقلى- فتأمل- قرره شيخنا العدوى، قال العلامة اليعقوبى: و فى جعل العقل دالا على التعيين هنا نظر من وجهين أحدهما: أن إدراك العقل لكون المقدر أحد الأمرين لا تستقل به دلالته، بل يحتاج إلى قرائن مثل كون هذا اليوم يوم القيامة الذى لا يناسبه إلا ما ذكر لكونه موعودا فيه بالحساب و العقاب و الرحمة، فتقدير العذاب أو الأمر الشامل للعذاب مناسب له؛ لأن العذاب هو الموجب لتهويله و التخويف به المقصود من الآية، و حيث كانت الدلالة على أحد الأمرين يحتاج فيها العقل إلى قرائن كان الدال غير العقل؛ و ذلك لأن المدرك للأمور هو العقل، لكن إن كانت دلالته مستقلة نسبت الدلالة إليه، و إن كانت دلالته غير مستقلة نسبت الدلالة لذلك الشىء المستعان به، و لا يخفى عدم استقلال العقل هنا.
ثانيهما أننا إن جوزنا تقدير الأخص فى مقابلة الأعم؛ لأن الأمر أعم من العذاب لم ينحصر المقدر فيما ذكر لصحة أن يقدر و جاء نهى ربك أو جاء جند ربك القائم بتعذيب العاصى أو جاء عبيده القائمون بذلك كالملائكة، و أيضا تقدير الأمر أولى و أظهر لشموله كما فى آية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [٢] فإن تقدير التناول لشموله أظهر- انتهى، و إنما كان الأمر أشمل؛ لأنه واحد الأمور فيشمل النهى و العذاب و غير ذلك- فتأمل.
(قوله: أن يدل العقل عليه) أى: على الحذف (قوله: و العادة) أى: و تدل العادة أى المقررة لا العادة فى استعمال الكلام بخلاف ما سبق فى المقصود الأظهر، و الحاصل أن المراد بالعادة و العرف الذى تبين به المقصود الأظهر كون الشىء يفهم من الاستعمال كثيرا، و يقصد لخصوصية فيه بخلاف العادة هنا فإن المراد بها تقرر أمر لآخر فى نفسه من غير نظر لدلالة الكلام عليه عرفا كتقرر كون الحب الغالب لا يلام عليه (قوله: نحو فذلكن إلخ) أى: نحو قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز فى خطابها النساء
[١] يوسف: ٣٢.
[٢] المائدة: ٣.