حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - دسوقي، محمد - الصفحة ٦٢
أو معرضين (أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [١] فيمن قرأ إن بالكسر) فكونهم مسرفين أمر مقطوع به لكن جىء بلفظ إن لقصد التوبيخ و تصوير أن الإسراف من العاقل فى هذا المقام يجب ألا يكون إلا على سبيل الفرض و التقدير كالمحالات لاشتمال المقام على الآيات الدالة على أن الإسراف مما لا ينبغى أن يصدر عن العاقل أصلا فهو بمنزلة المحال، ...
و لا يقال: إن الضرب هو الإعراض و العلة تغاير المعلول؛ لأنا نقول ضرب الذكر عنهم جعله مخاطبا به غيرهم دونهم و عدم إنزاله لهم و هو ملزوم للإعراض الذى هو عدم الإقبال عليهم بالتكاليف و إهمالهم منها لا نفسه كما لا يخفى أو بناء على أن المراد اعتبارا لإعراضكم و فاعل الاعتبار و الضرب هو اللّه (قوله: أو معرضين) يشير إلى جواز كون صفحا حالا، و اعلم أن الضرب فى الأصل الذود و الدفع، يقال: ضرب الغرائب عن الحوض ذادها و دفعها، و حينئذ فنضرب إما استعارة تصريحية لترك إنزاله لهم أو أنه استعارة تخيلية حيث شبه الذكر بغرائب تذاد و تدفع عن الحوض مثلا و استعير اسم المشبه به للمشبه فى النفس، ثم حذف المشبه به و هو الغرائب و ذكر شىء من لوازمه و هو الضرب على طريق المكنية و الضرب تخييل للمكنية و هى لفظ الغرائب المطوى، أو لفظ الذكر المذكور، أو التشبيه المضمر على اختلاف المذاهب (قوله: فيمن قرأ) أى: فى قراءة من قرأ بالكسر و هذا متعلق بمحذوف خبر لمحذوف أى: فإن شرط فى قراءة من قرأه بالكسر أى: و أما فى قراءة من قرأ بالفتح فهو فى محل المفعول من أجله، و المعنى لأن كنتم قوما مسرفين أى: مستهزئين بآيات اللّه و كتابه، ثم إنه على قراءة الفتح يتعين إعراب صفحا حالا أو مفعولا مطلقا، و لا يجوز أن يكون مفعولا له؛ لأنه لا يتعدد و على قراءة الكسر بإن الشرطية يكون جواب الشرط محذوفا دل عليه ما قبله، أو أن نفس ما قبلها هو الجواب أو لا يحتاج إلى جواب لوقوع الجملة الشرطية حالا فاستغنت عن الجزاء لتجردها على معنى الشرط و المعنى مفروضا كونكم مسرفين، و نظير الآية فى الوجهين المذكورين زيد و إن كثر ماله بخيل (قوله: و تصوير أن الإسراف)
[١] الزخرف: ٥.